رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
الدار البيضاء التي نعرفها اليوم تتجه نحو تغيير جذري قد يجعل ملامحها تختفي إلى الأبد. فنحن أمام واحدة من أكبر عمليات الترحيل والهدم في تاريخ المغرب الحديث، عملية لا تقتصر على إزالة بعض المنازل القديمة كما قد يعتقد البعض، بل تتجاوز ذلك بكثير لتشمل إعادة رسم خريطة المدينة بالكامل.
في الوقت الراهن، تم اتخاذ قرار رسمي يقضي بترحيل أكثر من ستة آلاف أسرة دفعة واحدة، مع إزالة أحياء كاملة من الخريطة لإفساح المجال أمام مشروع “المحج الملكي”، الذي يرتقب أن يصبح بمثابة الشانزليزيه الخاص بإفريقيا. هذا المشروع ظل متعثرا لأكثر من 30 سنة، قبل أن يصدر في عام 2026 أمر ملكي صارم بتسريع إنجازه استعدادا لكأس العالم.
الجرافات أصبحت جاهزة، واللوائح أعدت، فيما يعيش العديد من السكان آخر أيامهم داخل منازل ورثوها عن أجدادهم. والصدمة الحقيقية تكمن في أن هذا التحول العمراني سيؤدي إلى تغييرات كبيرة في قيمة العقار، لدرجة أن البعض قد يصبح من الأثرياء، بينما قد يخسر آخرون حقوقهم بسبب غياب المعرفة القانونية.
وبعيدا عن ما يظهر في وسائل الإعلام، هناك كواليس مهمة تدور داخل الولاية وبين الشركات الكبرى المشرفة على المشروع. حيث كثير من الناس يرون فقط مشاهد الهدم، لكنهم لا يدركون حجم التحولات الجارية ولا الفرص والمخاطر المرتبطة بها.
أهمية متابعة هذا الموضوع تكمن في فهم تفاصيل التعويضات وكيفية ضمان الحق في السكن الجديد أو الحصول على تعويض مالي عادل، وهي معلومات غالبا ما لا يتم تداولها من طرف السماسرة أو بعض الجهات التي تسعى للاستفادة من الوضع.
المحج الملكي، أو Avenue Royale، ليس مجرد طريق، بل مشروع استراتيجي يربط مسجد الحسن الثاني بساحة الأمم المتحدة وسط المدينة. ويهدف إلى خلق محور حضري متكامل يضم فنادق فاخرة، مراكز تجارية، ومساحات خضراء بمعايير عالمية تضاهي مدن مثل لندن وباريس. ويعتبر هذا المشروع جزءا من رؤية أشمل للتجديد الحضري الذي سيعزز من مكانة الدار البيضاء اقتصاديا وسياحيا.
السلطات تعمل بشكل متواصل، 24 ساعة يوميا، مع تخصيص ميزانية ضخمة تقدر بمليارات الدراهم. والهدف هو تحويل المدينة إلى قطب سياحي عالمي قادر على جذب استثمارات أجنبية كبيرة، وهو ما يفسر تسارع وتيرة الهدم خاصة بعد عيد الفطر.
عملية الترحيل تشمل آلاف الأسر، وسيتم نقلهم ضمن برنامج “كازابلانكا هاوزنج 2026” إلى مناطق مثل سيدي حجاج، الخياطة، والنواصر، حيث سيتم توفير سكن اجتماعي متطور يتضمن جميع المرافق الأساسية من مدارس ومستشفيات. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو تدبير هذا الانتقال من الناحية اللوجستية.
في المقابل، يشهد العقار في الضواحي ارتفاعا ملحوظا، ويتوقع أن تزداد قيمة الشقق الجديدة خلال عامي 2026 و2027. وقد تم إلزام المقاولين باحترام معايير جودة صارمة لضمان سكن لائق يحفظ كرامة المواطنين.
هذه العملية تعد الأكبر من نوعها، وتهدف إلى القضاء على السكن غير اللائق في قلب العاصمة الاقتصادية. حيث وفقا لمصادر رسمية، فإن عملية الهدم قد تستكمل في غضون شهرين فقط، خاصة في المناطق التي تقع خارج النسيج التاريخي.
وهناك أيضا تسارع الأشغال، يعود إلى التزامات صارمة على الشركات المكلفة بالمشروع، مثل سوناداك وشركائها، خصوصا فيما يتعلق بالبنية التحتية الضرورية لإنجاز الأنفاق والجسور. أي تأخير في التنفيذ قد يترتب عنه غرامات مالية كبيرة، ما يفرض اعتماد وتيرة عمل سريعة جدا.
ومن بين النقاط التي لا ينتبه لها الكثيرون، أن المناطق التي يتم هدمها اليوم يتوقع أن تصبح من بين الأغلى في إفريقيا خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030. وقد بدأت بالفعل شركات الاستثمار العقاري في التنافس للحصول على أراض داخل هذا المحور.
وبالنسبة للمستثمرين وأصحاب المشاريع، فإن الفرص كبيرة، خاصة في المحلات التجارية التي ستفتح على طول المحج الملكي، والتي يتوقع أن تحقق عوائد مرتفعة. كما أن القطاع السياحي مرشح لنمو كبير، ما يجعل المناطق المجاورة للمشروع ذات قيمة عالية.
الدولة من جهتها تشجع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يفتح المجال أمام الشركات الناشئة للاستثمار في مجالات الخدمات والسياحة داخل المدينة.
أما بالنسبة للأسر المعنية بالترحيل، فهناك تخوفات مشروعة تتعلق بالملكية والسكن. غير أن الإطار القانوني في المغرب شهد تطورا ملحوظا، حيث يضمن تعويضا عادلا بناءا على أسعار السوق. ومن الضروري التأكيد على أهمية تحيين الوثائق العقارية والتحفيظ لضمان الحقوق.
كما توفر الدولة دعما ماليا عبر منح حكومية لمساعدة الأسر على التأقلم مع الوضع الجديد، سواء من خلال التأثيث أو الإقامة المؤقتة. وتتوفر الشركات المكلفة على تأمينات تغطي الأضرار المحتملة، مما يعني أن عملية الهدم لا تتم دون إشعار قانوني أو توفير بديل سكني مطابق للمعايير.
هذا المشروع يرتبط بشكل مباشر بالتحضيرات لكأس العالم 2030، حيث تفرض الفيفا معايير دقيقة في ما يتعلق بالتنقل والسلامة والبنية التحتية. وسيصبح المحج الملكي محورا أساسيا لحركة الجماهير، مع تجهيزات حديثة تشمل شبكات 5G وأنظمة إنارة ذكية.
كل هذه التحولات ستجعل من الدار البيضاء واجهة عالمية، وسترفع من قيمة العقار في الأحياء المجاورة مثل بورغون واليمون.
في ظل هذه التغيرات، تبقى النصيحة الأهم هي التحلي بالاستباقية. على الأسر المعنية بالترحيل ألا تنتظر إلى آخر لحظة، بل يجب عليها طلب المواكبة الاجتماعية التي تضمنها الدولة. كما ينصح بعدم بيع الحقوق للسماسرة، لأن قيمة الشقق الجديدة قد ترتفع بنسبة تصل إلى 40% بعد اكتمال المشروع.
أما المستثمرون، فمن الأفضل لهم التركيز على المدن الثانوية القريبة من الدار البيضاء، والتي ستستفيد بدورها من تطوير البنية التحتية.
خلاصة، يتجه المغرب نحو مرحلة جديدة من النهضة العمرانية والاقتصادية. والدار البيضاء مرشحة لتصبح جوهرة إفريقيا، حيث سيكون الرابح الأكبر هو من يستعد جيدا وينظم أموره منذ الآن.
شارك المقال























Leave a Reply