رصد المغرب /عبد الكبير بلفساحي
في عصر تتسارع فيه الابتكارات التكنولوجية بشكل غير مسبوق، لم تعد السياسة حكرا على المؤسسات التقليدية أو الفاعلين الكلاسيكيين. بل دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها الخوارزميات مع القرارات، وتتحول فيها المنصات الرقمية إلى أدوات تأثير تتجاوز الحدود الجغرافية والسيادية. هذا التحول العميق يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة السلطة، ومن يملكها، وكيف تمارس في عالم باتت فيه البيانات عملة استراتيجية.
يرى المؤرخ إيلان بابيه أن فهم الواقع المعاصر يتطلب قراءة تتجاوز الأحداث الظاهرة، لتغوص في البنى التي تنتجها. وفي هذا الإطار، يبرز الفضاء الإلكتروني كعنصر محوري في تشكيل الوعي الجماعي، حيث لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى ساحات صراع سياسي واقتصادي وثقافي.
لقد أفرزت هذه البيئة الرقمية فاعلين جددا، من شركات التكنولوجيا العملاقة إلى مجموعات الضغط الرقمية، مرورا بما يعرف بـ”البرمجيات الموجهة” التي يمكنها التأثير على اتجاهات الرأي العام. ومع كل أزمة عالمية — سواء كانت صحية أو اقتصادية — يتعزز هذا الدور، إذ يتزايد اعتماد الأفراد على المصادر الرقمية، ما يمنح هذه الجهات نفوذا مضاعفا.
في المقابل، تسعى الدول إلى مواكبة هذا التحول عبر تطوير بنيتها التحتية الرقمية وتعزيز حضورها في الفضاء الإلكتروني. وتعد دول مثل ألمانيا نموذجا في الاستثمار في التكنولوجيا، حيث تجمع بين الابتكار الصناعي والتطور الرقمي. غير أن هذا التقدم يطرح بدوره إشكاليات تتعلق بالخصوصية، وأمن المعلومات، واستخدام البيانات.
اللافت في هذا المشهد أن الحدود بين الفاعلين أصبحت أكثر ضبابية، فالشركات قد تؤثر في السياسة، والسياسة قد تعيد تشكيل السوق، بينما يقف المستخدم العادي في قلب هذه المعادلة، متأثرا ومؤثرا في آن واحد.
يبدو أن العالم يتجه نحو إعادة تعريف مفاهيم القوة والسيادة في ظل الثورة الرقمية. ولم يعد السؤال المطروح هو من يملك القوة فقط، بل كيف تصنع هذه القوة، ومن يتحكم في أدواتها. وفي هذا السياق، يصبح الوعي الرقمي والنقدي ضرورة لا غنى عنها لمواكبة عالم تتداخل فيه الحقيقة مع الخوارزمية، والواقع مع ما يصنع خلف الشاشات.
شارك المقال























Leave a Reply