رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
أثار مشهدا لطقوس مرتبطة بدلالة معينة، على غرار ما يعرف بحائط المبكى، تساؤلات عميقة حول دلالاته الدينية والرمزية، خاصة عندما يتم استحضار هذه الممارسات خارج سياقها الجغرافي والتاريخي، كما حدث في واقعة الوقوف عند حائط باب دكالة بمدينة مراكش.
فحائط المبكى ليس مجرد جدار عادي، بل يحمل رمزية كبيرة وعميقة في الوجدان اليهودي، إذ يعد بقايا من الهيكل الذي دمر في مطلع القرن الميلادي الأول، تحديدا حوالي سنة 70 ميلادية. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا المكان مرتبطا ارتباطا روحيا قويا عند اليهود، باعتباره رمزا للأمل في إعادة بناء الهيكل، الذي ينسب إلى النبي سليمان عليه السلام، وينظر إليه كمركز للوحدة والانطلاق وتحقيق النبوءات في معتقدهم.
انطلاقا من هذه الخلفية، فإن الوقوف أمام هذا الجدار في طقوس جماعية لا يعد فعلا عابرا أو مجرد زيارة سياحية، بل يحمل في طياته دلالات رمزية تعكس، وفق هذا التصور، نوعا من التوحد والانتصار وترسيخ الحضور في بقعة معينة كما جاء على لسان بعض العارفين بالفكر العقائدي، والسياقات الدينية والروحية. لذلك، فإن تكرار هذه الوقفة في أماكن أخرى قد يفهم على أنه رسالة رمزية موجهة، سواء دينية أو سياسية أو اجتماعية.
وفي هذا السياق، تبرز واقعة الوقوف عند حائط باب دكالة بمراكش، والتي تطرح عدة تساؤلات حول دلالاتها والسياق الذي أُنجزت فيه. فإذا كانت هذه الممارسات تحمل معاني محددة في مرجعياتها، فما الذي يبرر السماح بها في فضاء عام داخل بلد له خصوصيته الدينية والثقافية والتاريخية؟
لا خلاف في أن المغرب يعد نموذجا في التعايش بين الأديان، حيث عاش اليهود والمسيحيون إلى جانب المسلمين لقرون في إطار من الاحترام المتبادل، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والثوابت الدينية. غير أن الإشكال يطرح عندما يتحول الفضاء العام إلى مجال مفتوح لإرسال رسائل ذات أبعاد سياسية أو إيديولوجية، قد لا تنسجم مع هذه الخصوصية.
فالفضاء العمومي ليس مجرد مساحة مفتوحة، بل تحكمه أعراف وقواعد وأصول يجب احترامها، بما يضمن التوازن بين حرية الممارسة والحفاظ على الهوية الجماعية. وعليه، فإن مثل هذه التصرفات، إذا كانت تحمل دلالات تتجاوز البعد الفردي إلى رسائل جماعية، قد تثير قلقا مشروعا حول تأثيرها على الاستقرار الهوياتي والثقافي.
ويزداد هذا القلق في ظل السياق الراهن، حيث تشهد القضية الفلسطينية تحديات كبيرة على مختلف المستويات، في وقت يعرف فيه المغرب بمواقفه الداعمة للقدس والأقصى. ومن هنا، فإن ظهور مثل هذه المشاهد قد يفهم على أنه تناقض مع هذا التوجه، أو على الأقل يفتح باب التساؤل حول خلفياته.
لذلك، فإن طرح هذه الأسئلة لا يعني رفض التعايش أو التنوع، بل يهدف إلى ترشيد الممارسات داخل الفضاء العام، وضمان انسجامها مع الثوابت الوطنية. وهو ما يستدعي، حسب هذا الطرح، فتح نقاش جاد وتقديم توضيحات رسمية حول هذه الوقائع، بما يطمئن الرأي العام ويحافظ على التوازن بين الانفتاح والخصوصية.
شارك المقال























Leave a Reply