رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
تشكل الانتخابات الديمقراطية إحدى الركائز الأساسية لبناء دولة المؤسسات وترسيخ المشاركة السياسية للمواطنين. غير أن نتائج استطلاع حديث أجرته جمعية “المواطنون” في مختلف جهات المملكة المغربية كشفت عن مفارقة لافتة تتمثل في استمرار إيمان المواطنين بالمبادئ الديمقراطية مقابل تراجع ثقتهم في الفاعلين السياسيين والمؤسسات المكلفة بتجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع.
فقد أظهرت الدراسة، التي شملت حوالي 3000 مشارك، أن غالبية المستجوبين يعتبرون التصويت واجبا مدنيا مهما، حيث عبر 66.6% منهم عن قناعتهم بأهمية المشاركة الانتخابية. إلا أن هذه القناعة لا تترافق مع الثقة في العملية الانتخابية نفسها، إذ لا يرى سوى 13.6% أن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت موثوقة، بينما يقيم أكثر من نصف المشاركين مصداقيتها بشكل سلبي. كما امتد هذا الشعور إلى المؤسسات العامة التي لا تحظى إلا بنسبة محدودة من الثقة.
وتتجلى خطورة الوضع أكثر في نظرة المواطنين إلى الأحزاب السياسية. فالغالبية الساحقة من المستطلعين لا تربطهم أي علاقة مباشرة بالأحزاب، كما يعتقد أكثر من 88% أن هذه الأخيرة لا تهتم فعليا بانشغالات المواطنين، في حين يرى أكثر من 90% أن المنتخبين لا يلتزمون بوعودهم الانتخابية. وتعكس هذه الأرقام حجم الهوة المتزايدة بين المواطنين والهيئات السياسية التي يفترض أن تمثلهم.
ومن بين أبرز المؤشرات المثيرة للقلق، ضعف حضور الشباب في الحياة السياسية من وجهة نظر المواطنين، حيث اعتبر 86.7% أن دورهم لا يزال محدودا جدا. غير أن المفارقة تكمن في أن فئة الشباب بين 18 و24 سنة أبدت استعدادا أكبر للمشاركة في الانتخابات مقارنة بالفئات العمرية الأخرى، وهو ما يدل على وجود رغبة كامنة في الانخراط السياسي رغم الإحساس بالتهميش وعدم التأثير.
كما تكشف الدراسة عن تحول ملحوظ في مصادر المعلومة السياسية، إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأخبار السياسية لدى نحو ثلاثة أرباع المشاركين، متقدمة بفارق كبير على وسائل الإعلام التقليدية. حيث يعكس ذلك تغيرا في أساليب التواصل السياسي، ويطرح تحديات جديدة أمام الأحزاب والمؤسسات الراغبة في استعادة ثقة المواطنين.
وأما فيما يتعلق بانتخابات 2026، فتظل نوايا التصويت مترددة ومنقسمة. فبينما يؤكد جزء من المواطنين عزمه المشاركة، لا يزال عدد مهم مترددا أو غير راغب في التصويت. والأخطر من ذلك أن شريحة معتبرة ترى أن أي إجراء مقترح لن يدفعها إلى المشاركة، ما ينذر بتحول العزوف الانتخابي إلى ظاهرة دائمة قد تؤثر على شرعية المؤسسات المنتخبة.
ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن الدراسة تقدم مؤشرات إيجابية حول سبل استعادة الثقة. فقد عبر المواطنون عن حاجتهم إلى انتخابات نزيهة وشفافة، وبرامج سياسية واضحة، وإفساح المجال أمام الشباب، وتعزيز الشفافية في تمويل الأحزاب، إضافة إلى تحسين التوعية بالعملية الانتخابية. وهي مطالب تعكس رغبة في الإصلاح أكثر مما تعكس رفضا للديمقراطية في حد ذاتها.
وخلاصة كل ذلك، هو أنه يمكن القول إن المغرب يقف أمام محطة سياسية حاسمة مع اقتراب انتخابات 2026. لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم الانتخابات فقط، بل في استعادة ثقة المواطنين في جدوى المشاركة السياسية. وإذا نجحت المؤسسات والأحزاب في الاستجابة لتطلعات المواطنين، فقد تشكل الانتخابات المقبلة فرصة لتجديد العقد الديمقراطي وتعزيز المشاركة الشعبية. وأما إذا استمرت أزمة الثقة دون معالجة، فإن العزوف الانتخابي قد يتحول إلى واقع دائم يهدد حيوية الحياة السياسية ومستقبل الممارسة الديمقراطية في البلاد.
شارك المقال























Leave a Reply