رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /
وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، استوقفتني مواقف متداولة تصب، على ما يبدو، في موضوع واحد يتعلق بمهنة الصحافة، وحدود الانتساب إليها، وما بات يرافق المشهد الإعلامي من سجالات حادة بين بعض المشتغلين في المجال.
الموقف الأول تمثل في تدوينة على موقع «فيسبوك» لشخص يتحدث عن زميل له ينتقد ما وصفهم بـ«أشباه الصحافيين»، ومشيرا إلى وجود من يقدم نفسه باعتباره «سوبر صحافي». وهي عبارة تطرح أكثر من سؤال حول المقصود بها، وحول المعايير التي تجعل صحافيا ما «سوبر» في نظر نفسه أو في نظر الآخرين.
أما الموقف الثاني، فتمثل في بث مباشر لهذا الشخص الزميل، انتشر بين عدد من المهتمين بالشأن الإعلامي، وتضمن كلاما كثيرا عن واقع المهنة، وعن المواقع الإلكترونية، و«الملاءمة»، والتعويضات، وانتحال صفة الصحافة، فضلا عن عبارات حملت نوعا من التهديد باللجوء إلى القضاء في مواجهة أشخاص أو جهات لم تكن هوياتهم واضحة في جميع الحالات.
والحقيقة أن الاستماع إلى ذلك الخطاب يترك لدى المتلقي أكثر من علامة استفهام، خصوصا عندما يقدم صاحبه نفسه باعتباره «قيدوما» في المهنة، لأن السؤال هنا ليس للتقليل من قيمة التجربة، وإنما ببساطة قيدوم ماذا؟ وهل الأقدمية وحدها تمنح صاحبها حق تصنيف الآخرين، والحكم على مهنيتهم، وتوزيع شهادات الاعتراف أو سحبها؟
المشكلة ليست في أن يدافع أي صحافي عن مهنته أو ينتقد ظواهر يعتبرها مسيئة إلى الصحافة، فهذا حق مشروع، بل إن الدفاع عن المهنة مسؤولية جماعية. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الدفاع عن المهنة إلى نوع من الوصاية عليها، فيصبح شخص واحد هو الذي يحدد من هو الصحافي المهني، ومن هو «شبه الصحافي»، ومن يستحق الاعتماد، ومن لا يستحقه.
والأغرب أن الخطاب الذي ينتقد بعض المشتغلين في الإعلام بسبب غياب الشواهد أو ضعف المستوى الدراسي، لا يبدو في بعض مقاطعه مختلفا كثيرا عن خطاب بعض المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا عندما يصبح عدد المتابعين على «فيسبوك» معيارا ضمنيا للقوة والتأثير.
فعدد المتابعين، مهما كان مرتفعا، لا يمكن أن يكون وحده معيارا للحكم على جودة العمل الصحافي، لأن الصحافة تقاس بجودة المادة المنشورة، ودقة المعلومات، واحترام قواعد المهنة، والقدرة على التحقق، والالتزام بأخلاقيات النشر، واستقلالية الخط التحريري، وليس بعدد الإعجابات والمشاركات.
وقد سبق لي أن تواصلت مع المعني بالأمر في مناسبة مهنية، حين تقدمت بطلب يتعلق بتغطية مهرجان إفران، وكانت الإجابة، كما أتذكرها، تحمل خلطا بين عدد من المؤسسات والمنابر الإعلامية، بما جعلني أتساءل عن طبيعة المعايير التي يتم اعتمادها في مثل هذه الأمور. كما سمعت من زملاء آخرين ملاحظات حول طريقة تدبير بعض الاعتمادات والتدخل في تفاصيل تتعلق بالأسئلة التي يطرحها الصحافيون، وهي أمور، إن صحت، تحتاج إلى نقاش مهني، لا إلى تصفية حسابات.
فالصحافة الحرة لا تحتاج إلى وصي. والصحافي لا يحتاج إلى شخص يمنحه صك الاعتراف أو يسحب منه صفة الصحافي. هناك قوانين وهيئات ومؤسسات وأطر مهنية يفترض أن تضطلع بهذه الأدوار، وكل شخص مطالب باحترام اختصاصاتها.
أما الحديث عن «انتحال مهنة الصحافة»، فهو موضوع جدي بالفعل، ولا أحد يمكنه أن يدافع عن الفوضى أو عن تقديم أشخاص لأنفسهم بصفات مهنية لا تتوفر فيهم. لكن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالتشهير أو بالتعميم أو بإطلاق أوصاف جارحة على الآخرين، وإنما بالاحتكام إلى القانون والمؤسسات المختصة، وبالتمييز الواضح بين الصحافي المهني، والمؤثر، وصانع المحتوى، ومدير الصفحة، والمشتغل في مجال التواصل.
ومن باب توضيح الأمور، فإن موقعنا يتوفر على الملاءمة القانونية، وقد حصل عليها وفق المساطر المعمول بها، ولا نرى أن نشر وثائقها بشكل مستمر هو معيار لإثبات وجودها. فالوثائق الرسمية تكون موضع تقديم عندما تقتضي الحاجة ذلك، وليس من الضروري تحويلها إلى مادة للاستعراض في كل نقاش.
والذي يهمنا في النهاية ليس الدخول في سجال شخصي مع أي أحد، ولا البحث عن معركة مع زميل أو موقع أو مؤسسة. ما يهمنا هو أن تبقى الصحافة صحافة، وأن يكون النقاش حول المهنة قائمًا على المهنية والاحترام والحجة، لا على رفع الصوت أو توزيع الاتهامات.
كما أن الدفاع عن القضايا الوطنية والمصلحة العامة لا يكون بعدد المتابعين على «فيسبوك»، وإنما بما يقدمه المنبر الإعلامي من مضمون مهني، وبقدرته على خدمة القارئ والمجتمع، والتصدي للأخبار الزائفة، وكشف الاختلالات، والدفاع عن صورة الوطن ومصالحه بالحجة والمعلومة الدقيقة.
ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا السجال هي أن مهنة الصحافة أصبحت في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى نقاش حول من يمارسها، وكيف يمارسها، ومن يراقب احترام قواعدها، بعيدا عن منطق «أنا أقدم منك»، أو «أنا أكثر متابعة منك»، أو «أنا من يقرر من هو الصحافي ومن ليس كذلك».
نحن لا ندعي امتلاك الحقيقة، ولا ننصب أنفسنا أوصياء على أحد. نمارس عملنا وفق ما نراه مهنيا، ونكتب ما نعتقد أنه يستحق أن يقرأه قارئ يحترم عقله. وإذا كان هناك من يرى عكس ذلك، فالمجال مفتوح للنقاش، والقانون والمؤسسات المختصة موجودة، والقضاء موجود لمن يعتبر أن حقا من حقوقه قد تعرض للانتهاك.
أما تحويل مهنة الصحافة إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتبادل الاتهامات، واستعراض الأقدمية وعدد المتابعين، فلن يخدم أحدا، ولن يرفع من مستوى المهنة. بل قد يجعل المتلقي يسأل هل نحن أمام صحافة تناقش قضايا المجتمع، أم أمام صراع نفوذ داخل مهنة يفترض أن تكون مهمتها الأولى خدمة الحقيقة والقارئ؟
شارك المقال























Leave a Reply