«منع مريض بالسرطان من السكانير». رواية «المساء» تفتح باب التحقيق الميداني و«رصد المغرب» تبحث عن الحقيقة

رصد المغرب / عبد العالي بريك /


أعادت واقعة تعود إلى 26 ماي 2026، شهدها المستشفى الأنكولوجي التابع للمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، إلى الواجهة النقاش حول طريقة تدبير الخلافات الإدارية والمالية داخل المؤسسات الصحية، بعدما نشرت جريدة «المساء» مقالا تحدثت فيه عن «منع مريض بالسرطان من إجراء فحص السكانير»، بناء على شكاية تقدم بها ابن المريض.

ويتعلق الأمر، وفق المعطيات الواردة في المقال، بمريض يبلغ من العمر 77 سنة، حضر إلى المؤسسة من أجل إجراء فحص بالسكانير في إطار تتبع علاجه، قبل أن ينشب خلاف حول وضعية مالية سابقة، انتهى بتقديم شكاية وسلوك مسطرة قضائية في مواجهة رئيسة مصلحة الشؤون المالية والمحاسبة والتحصيل بالنيابة.

ونقلت «المساء» رواية أسرة المريض، التي اعتبرت أن تسوية مبلغ مالي سابق كانت وراء عدم إجراء الفحص، وتحدثت عن معاناة المريض ومطالب الأسرة بالكشف عن ملابسات الواقعة.

وبالنظر إلى حساسية القضية، خاصة لارتباطها بمريض مسن مصاب بالسرطان وبمؤسسة استشفائية عمومية، انتقل مراسل «رصد المغرب» إلى عين المكان للبحث في تفاصيل الواقعة والاستماع إلى الطرف الآخر، بدل الاكتفاء بالرواية التي سبق نشرها.

وفي هذا السياق، تم نقل تصريح بشكل مباشر من رئيسة مصلحة الشؤون المالية والمحاسبة والتحصيل بالنيابة، كما جمعت معطيات من مصادر قالت إنها كانت على اطلاع مباشر أو قريبة من تفاصيل الواقعة، مع الحرص على عدم الكشف عن هوياتها نظرا لارتباط الملف بمسطرة قضائية.

وتشير المعطيات التي حصل عليها مراسل «رصد المغرب» إلى أن الخلاف الذي وقع يوم 26 ماي لم يكن، بحسب هذه المصادر، مرتبطا برفض أداء تكلفة فحص السكانير، وإنما بوضعية مالية سابقة تعود إلى حصص علاج كيماوي استفاد منها المريض في وقت سابق.

وبحسب المصادر ذاتها، يتعلق الأمر بمبلغين، تبلغ قيمة كل واحد منهما في حدود 360 درهما، فيما لا يعني تسجيل هذه المبالغ، وفق الرواية التي تم جمعها، حرمان المريض من الاستفادة من الخدمات الطبية، إذ تشير المعطيات إلى أنه استفاد من خدمات أخرى بالمؤسسة بعد تسجيل تلك المبالغ.

كما برز خلاف آخر بشأن مبلغ مالي تحدثت عنه أسرة المريض باعتباره يقارب 1000 درهم. غير أن المعطيات التي حصلت عليها «رصد المغرب» تفيد بأن المراجعة الحسابية أظهرت مبلغا يقارب 290 درهما، مع وجود اختلاف بشأن كيفية تسوية هذا المبلغ.

ووفق المصادر نفسها، طالب ابن المريض باسترجاع المبلغ أو بإجراء مقاصة بينه وبين مبالغ مالية أخرى، في حين أن عمليات الاسترجاع والتسوية المالية داخل المؤسسات العمومية تخضع لإجراءات ومساطر محاسبية وإدارية محددة.

وتبقى النقطة الأكثر حساسية في هذه الواقعة مرتبطة بما إذا كان المريض قد مُنع فعلا من إجراء فحص السكانير، وهي المسألة التي أعطت القضية عنوانها الأكثر إثارة للجدل. حيث أن المعطيات التي جمعها مراسل «رصد المغرب» لا تشير، بحسب المصادر، إلى صدور قرار صريح من المؤسسة أو من مسؤولة المصلحة بمنع المريض من إجراء الفحص، وإنما تفيد بأن خلافا إداريا وماليا نشب داخل المصلحة، قبل أن تنتهي الواقعة بعدم إجراء الفحص.

وتضيف المصادر ذاتها أن عدم إجراء السكانير في ذلك اليوم ارتبط، وفق روايتها، بموقف اتخذه ابن المريض الذي رفض في نهاية المطاف ولوج والده إلى الفحص. وبذلك، فإن توصيف الواقعة بكونها «منع مريض بالسرطان من السكانير» يختلف عن الرواية التي حصلت عليها «رصد المغرب»، والتي تتحدث عن خلاف إداري ومالي انتهى بعدم إجراء الفحص عقب موقف اتخذه أحد أفراد أسرة المريض.

كما تشير المعطيات التي تم جمعها إلى أن النقاش داخل المصلحة عرف حالة من التوتر ورفع الصوت وتبادل عبارات حادة، في وقت كانت فيه المصلحة تستقبل مرضى ومرتفقين آخرين، فيما جرى التأكيد على ضرورة احترام الإجراءات وتوجيه أي اعتراض أو شكاية إلى الجهات المختصة.

وتفيد المعطيات أيضا بأن ابن المريض استعان بمفوض قضائي في محاولة لتوثيق ما اعتبره مخالفة أو رفضا لأداء واجب الفحص، وهي نقطة يمكن حسم تفاصيلها بالرجوع إلى المحاضر والوثائق الموجودة في الملف، وليس فقط إلى الروايات المتداولة بشأن الواقعة.

وفي ظل وجود مسطرة قضائية، فإن تحديد المسؤوليات النهائية يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة، كما أن المعطيات التي جمعتها «رصد المغرب» لا تشكل حكما على أي طرف، وإنما تقدم رواية أخرى للوقائع بهدف توسيع دائرة الوضوح والاستقصاء.

وتكشف هذه القضية، في جانب آخر، عن إشكال أوسع يتعلق بكيفية تدبير الخلافات داخل المؤسسات الصحية العمومية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمرضى مسنين أو يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة. لأن احترام المساطر المالية والإدارية يظل أمرا ضروريا داخل المؤسسات العمومية، كما أن الموظفين ملزمون بتطبيق القواعد المنظمة لعملهم، غير أن ذلك لا ينبغي أن يحول دون مراعاة الوضعية الإنسانية للمريض، خاصة عندما يكون في حاجة إلى متابعة علاجية منتظمة.

وفي المقابل، فإن احترام حقوق المرضى لا يعفي المرتفقين وذويهم من ضرورة احترام الأطباء والممرضين والأطر الإدارية، والابتعاد عن الصراخ أو التهديد أو أي سلوك من شأنه عرقلة سير العمل داخل المرفق الصحي. لأن المستشفى يبقى في المقام الأول فضاء للعلاج، وأي توتر داخله يمكن أن تتجاوز آثاره أطراف الخلاف لتطال مرضى آخرين ينتظرون دورهم أو يحتاجون إلى رعاية عاجلة.

ومن هذا المنطلق، تبدو المسؤولية مشتركة بين المؤسسة والمرتفق، حيث المؤسسة مطالبة بتوضيح المساطر والاستماع إلى المرضى وذويهم ومراعاة الحالات الإنسانية، فيما يبقى على المرتفقين اللجوء إلى القنوات القانونية والإدارية المتاحة عند وجود أي خلاف.

وبخصوص واقعة 26 ماي تحديدا، فإن الحسم في حقيقة ما جرى لا ينبغي أن يستند إلى العناوين أو الروايات المنفردة، وإنما إلى الوثائق والمحاضر والشهادات وما ستخلص إليه الجهات القضائية المختصة.

وأما دور الصحافة، فيبقى في طرح الأسئلة والتحقق من المعطيات والاستقصاء وجمع المعلومة من مختلف الأطراف، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضية تمس مريضا مسنا ومؤسسة صحية عمومية، دون إصدار أحكام مسبقة على أي طرف.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *