حين تثلج المدرسة العمومية الصدر

رصد المغرب / مراد مجاهد /


في زمن أصبح فيه الحديث عن المدرسة العمومية المغربية يبدأ غالباً من الاختلالات وينتهي عندها، من الاكتظاظ إلى صعوبات التعلم، ومن ضغط الأطر التربوية والإدارية إلى ضعف التجهيزات، ومن إشكالات الحكامة والتدبير إلى أزمة الثقة بين المدرسة والأسرة، يبدو أحياناً أننا لم نعد نرى في المدرسة إلا ما ينقصها، حتى كادت الصورة السلبية أن تصبح حكماً جاهزاً على كل مؤسسة وكل إطار وكل مسؤول. ولا أحد ينكر أن المدرسة العمومية تحتاج إلى إصلاح مستمر، وأن النقد الصريح والموضوعي ضرورة لا غنى عنها، لكن الإنصاف يقتضي منا، في المقابل، أن نتوقف عند الوجه الآخر للصورة، وأن نعترف بأن داخل هذه المدرسة مؤسسات وأطراً ومسؤولين ما زالوا يؤدون عملهم بجدية وضمير، وأن هناك نماذج، وإن لم تكن مثالية، تستحق أن تُرى وأن يُقال عنها كلام جميل، لا من باب المجاملة، وإنما من باب الإنصاف.

فالإدارة الجيدة لا تُقاس فقط بعدد القرارات التي تصدرها أو الملفات التي تدبرها، وإنما تقاس أيضاً بطريقة تعاملها مع الإنسان الذي يوجد في الجهة الأخرى من المكتب، وبمدى شعور الأسرة بأن أبناءها يوجدون داخل مؤسسة تتبعهم وتهتم بهم، وبقدرة الطاقم الإداري والتربوي على تحويل تفاصيل العمل اليومي إلى ممارسة حقيقية للمسؤولية. وقد تبدو أشياء كثيرة في هذا السياق بسيطة وعادية: تتبع حضور التلاميذ وغيابهم، التواصل مع أولياء الأمور عند الحاجة، الحرص على الانضباط والتنظيم، الاستماع إلى الأسر، مواكبة التلاميذ، والتفاعل مع ما يطرأ من ملاحظات أو صعوبات، لكنها في مجموعها تصنع فارقاً كبيراً بين مؤسسة تؤدي وظيفتها في حدودها الدنيا ومؤسسة يشعر معها المواطن بأن هناك من يتحمل المسؤولية فعلاً.

ومن النماذج التي أجد من الإنصاف أن أتوقف عندها إعدادية 6 نونبر بمدينة فاس، لا باعتبارها مؤسسة كاملة لا تعرف النقائص، ولا باعتبار مديرتها وطاقمها الإداري فوق النقد أو الخطأ، وإنما باعتبارها نموذجاً محلياً لمست في التعامل معه قدراً لافتاً من الجدية والحرص والانضباط وحسن التواصل. وهي شهادة لا أقدمها من باب المجاملة ولا بحثاً عن منفعة، وإنما لأنني أؤمن بأن من واجب المواطن أن ينتقد حين يرى ما يستحق النقد، وأن ينصف حين يرى ما يستحق الإنصاف.

ما يلفت الانتباه في هذه المؤسسة هو أن الاهتمام بالتلميذ لا يبدو محصوراً في الجانب التعليمي الضيق، وإنما يمتد إلى تفاصيل الحياة المدرسية التي تشكل في النهاية المناخ الذي يتعلم فيه التلميذ وينمو. هناك حرص على الحضور والغياب، وعلى التواصل مع أولياء الأمور عندما تستدعي الحاجة، وعلى تنظيم الحياة داخل المؤسسة، وعلى التعامل مع الأسر بروح من الاحترام والتواضع، وعلى تتبع ما يرتبط بمسار التلميذ. وحتى الوسائل الرقمية التي أصبحت اليوم جزءاً من المنظومة التعليمية، وفي مقدمتها منظومة «مسار»، تتيح للأسرة، في حدود الخدمات والمعطيات المتاحة، مواكبة جانب من المسار الدراسي لأبنائها عن بُعد. وقد يبدو الأمر تفصيلاً تقنياً، لكنه في الحقيقة يعكس تحولاً مهماً في علاقة المدرسة بالأسرة، حين يصبح ولي الأمر شريكاً في المتابعة وليس مجرد طرف لا يظهر إلا عندما تقع مشكلة.

وهنا تحديداً تكمن أهمية التواصل. فالمدرسة التي تتواصل مع الأسرة لا تفعل ذلك من أجل إرضاء ولي الأمر، وإنما لأنها تدرك أن التربية مسؤولية مشتركة. والتلميذ الذي تعرف المؤسسة حضوره وغيابه، وتتابع مساره، وتتواصل مع أسرته عند الحاجة، ليس مجرد اسم في لائحة أو رقم في منظومة معلوماتية، وإنما تلميذ يحظى بقدر من المواكبة والاهتمام. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تبني الثقة شيئاً فشيئاً، والثقة هي إحدى أهم الحلقات المفقودة في العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي.

ولعل ما يستحق التقدير أكثر هو أن هذا النوع من العمل لا يحتاج دائماً إلى إمكانات استثنائية أو ميزانيات ضخمة؛ يحتاج قبل ذلك إلى عقلية مهنية، وإلى مسؤول يؤمن بأن الإدارة خدمة، وإلى طاقم يعرف أن احترام المواطن والتواصل معه ومتابعة أبنائه ليست مِنّة ولا امتيازاً، وإنما جزء من صميم المسؤولية. وهنا لا يمكن أن نتجاهل دور مدير المؤسسة، لأن المدير لا يدير الجدران والجداول والملفات فقط، وإنما يصنع، إلى حد بعيد، المناخ الإداري والتنظيمي الذي يتحرك داخله باقي الطاقم. وحين تكون القيادة قائمة على الحزم من دون تعالٍ، وعلى التواصل من دون تسيب، وعلى الانضباط من دون جفاء، فإن أثرها يتجاوز المكتب الإداري ليصل إلى الأستاذ والتلميذ والأسرة.

ومن خلال هذه الزاوية تحديداً، يمكن النظر إلى تجربة إعدادية 6 نونبر بفاس باعتبارها مثالاً يستحق التوقف عنده. لا أقول إنها النموذج الوحيد، ولا أدعي أنها مؤسسة بلا نقائص، فهذا ادعاء لا يملكه أحد، لكنني أقول إن فيها ما يستحق أن يُذكر: إدارة حريصة، وطاقم إداري يعمل تحت إشرافها، وتواصل مع الأسر، وتتبع للتلاميذ، واهتمام بالتنظيم والانضباط، وتعامل إنساني يحفظ للمواطن كرامته وللمؤسسة هيبتها. وهذه أمور قد يعتبرها البعض طبيعية، وأنا معهم في أنها ينبغي أن تكون طبيعية، لكن المشكلة أننا نحتاج اليوم إلى أن نجعل من هذه «الطبيعية» قاعدة مستقرة في كل مرافقنا، لا استثناءات نحتفي بها عندما نصادفها.

ولذلك فإن الحديث عن هذه المؤسسة لا ينبغي أن يفهم باعتباره مديحاً لأشخاص بعينهم، وإنما باعتباره دفاعاً عن فكرة أكبر: حين تتوفر الإرادة المهنية، تستطيع المؤسسة العمومية أن تصنع فرقاً حقيقياً حتى في حدود الإمكانات المتاحة لها. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من كل تجربة ناجحة، صغيرة كانت أم كبيرة. لا يكفي أن نقول إن هناك مؤسسات تعاني، بل علينا أن نسأل أيضاً: لماذا تنجح مؤسسات أخرى في بعض الجوانب؟ وما الذي يميز طريقة تدبيرها؟ وكيف يمكن نقل الممارسات الجيدة منها إلى غيرها؟

لقد اعتدنا، في كثير من الأحيان، أن نكتب عن المدرسة العمومية عندما يحدث خطأ، وأن نرفع الصوت عندما تقع مشكلة، وأن نبحث عن المسؤول عندما تتعطل الأمور، وهذا حق المواطن وواجبه. لكن أين نحن من كلمة الإنصاف عندما تسير الأمور على نحو جيد؟ لماذا نعتبر الشكر تملقاً والنقد بطولة؟ أليس من حق الموظف أو المسؤول الذي يشتغل بضمير أن يسمع، ولو مرة، أن ما يقوم به محل تقدير؟ وهل يعقل أن نطالب الناس بالجدية والمسؤولية ثم نعاقبهم بالصمت عندما يمارسونها؟

إن المدرسة العمومية لا تحتاج إلى التلميع، وإنما تحتاج إلى الحقيقة كاملة: أن نقول ما فيها من اختلالات، وأن نعترف بما فيها من نجاحات، وأن نميز بين مؤسسة وأخرى، وبين تجربة وأخرى، وبين من يؤدي وظيفته بلا مبالاة ومن يحول وظيفته إلى رسالة. ومن الظلم أن نختزل آلاف العاملين في المدرسة العمومية في صورة واحدة، كما أن من الظلم أن نعتبر كل انتقاد للمدرسة هجوماً عليها. نحن بحاجة إلى نقد يبني، وإشادة تنصف، ومقاربة ترى الواقع كما هو لا كما نريد له أن يكون.

ومن هذا المنطلق، أقول للسيدة مديرة إعدادية 6 نونبر بفاس، ولطاقمها الإداري: هذه شهادة حق، أقولها بكل تجرد ومسؤولية، لأنني أعتقد أن من الإنصاف أن يصل صوت التقدير إلى من يستحقه. قد تكون هناك نقائص، وقد تكون هناك ملاحظات، وقد يختلف الناس في تقييم بعض التفاصيل، وهذا أمر طبيعي في أي مؤسسة وفي أي عمل بشري، لكن ذلك لا يلغي ما يمكن أن يلمسه المواطن من حرص وجدية وتنظيم وتواصل. وليس في الاعتراف بهذا أي تنازل عن حقنا في النقد، بل هو بالضبط ما يجعل نقدنا أكثر مصداقية عندما نضطر إليه.

وربما أجمل ما يمكن أن تفعله المدرسة العمومية اليوم هو أن تعيد إلى الأسرة شعورها بأن أبناءها ليسوا متروكين، وأن الإدارة ليست بعيدة عنها، وأن المؤسسة لا تتذكر ولي الأمر فقط عند الضرورة، وأن وراء الملفات والأرقام والمنظومات الرقمية بشراً يتابعون ويهتمون ويتحملون المسؤولية. فالدولة لا تظهر للمواطن فقط في القرارات الكبرى والمشاريع الوطنية، وإنما تظهر أيضاً في المدرسة التي يدخل إليها ابنه كل صباح، وفي الطريقة التي تستقبله بها، وفي الأستاذ الذي يعلمه، وفي المدير الذي يديرها، وفي الموظف الذي يتعامل معه.

لهذا، حين نصادف مؤسسة عمومية تترك في نفس ولي الأمر شعوراً بالارتياح والثقة، علينا ألا نتردد في قول ذلك. لا لأننا نريد أن نقول إن المدرسة العمومية بخير، وإنما لأننا نريد أن نقول شيئاً أكثر أهمية: إنها قادرة على أن تكون أفضل. وإعدادية 6 نونبر في فاس، كما عايشت جانباً من تجربتها، تقدم مثالاً بسيطاً على أن الفرق قد تصنعه أحياناً أشياء تبدو صغيرة في نظر البعض، لكنها كبيرة في أثرها: مدير يتحمل مسؤوليته، وطاقم يحترم عمله، وتلميذ تتم متابعته، وأسرة تجد من يتواصل معها، ومؤسسة تدرك أن مهمتها لا تنتهي عند إغلاق باب القسم.

وفي النهاية، ربما لا تحتاج المدرسة العمومية منا إلى التصفيق بقدر ما تحتاج إلى الإنصاف. ننتقد حين تخطئ، ونطالب حين تقصر، ونحاسب حين يستوجب الأمر المحاسبة، لكننا أيضاً نقول شكراً حين نجد ما يستحق الشكر. لأن الإصلاح لا يصنعه النقد وحده، كما لا تصنعه الشعارات وحدها؛ يصنعه أيضاً الاعتراف بالتجارب الجيدة وتثمين أصحابها وتعميم ما يمكن تعميمه منها. وفي زمن كثرت فيه أسباب فقدان الثقة، يبقى من الجميل، بل من الضروري، أن نقول إن المدرسة العمومية المغربية ما زالت تضم مؤسسات وأطراً تذكرنا بأن المرفق العمومي يمكن أن يكون في خدمة المواطن، وأن الإدارة يمكن أن تكون قريبة من الناس، وأن المسؤولية يمكن أن تكون أخلاقاً قبل أن تكون وظيفة، وأن وراء أبواب بعض مدارسنا ما زال هناك من يعمل في صمت لكي يظل للمدرسة العمومية معنى، وللثقة مكان، وللأمل نافذة مفتوحة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *