من 1963 إلى اليوم. هل ما زالت صناديق الاقتراع تدور في الدائرة نفسها؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


ما حدث اليوم يعيدنا إلى سنة 1963، إلى البدايات الأولى لمسار انتخابي ظل، على امتداد عقود، يطرح سؤالا واحدا لا يريد أحد أن يجيب عنه بوضوح، بل لا يستطيع أحد الإجابة عليه، وهو هل الانتخابات في المغرب قادرة فعلا على إنتاج تغيير حقيقي، أم أن هناك دائما سقفا لا يمكن تجاوزه إلا بإرادة من يتحكمون في عمق الدولة؟

إن ما حدث اليوم يعيد طرح السؤال من جديد وبحدة أكبر. حيث بدل أن يكون يوم الاقتراع مناسبة للاحتفال بالمشاركة السياسية وبإرادة المواطنين، وجدنا أنفسنا أمام وقائع تفتح أبواب الشك على مصراعيها، وتدفع المواطن إلى التساؤل هل نحن أمام مسار ديمقراطي يتقدم إلى الأمام، أم أننا ندور منذ عقود داخل دائرة مغلقة، تتغير فيها الوجوه والشعارات، بينما تبقى قواعد اللعبة نفسها؟

أنا شخصيا ذهبت إلى مكتب التصويت بعدما توصلت برسالة نصية على الرقم 2727، تحدد لي معطياتي الانتخابية ومكتب التصويت. توجهت إلى المكان بمدينة سلا، وتحديدا حي السلام حيث توجد مؤسسة أبي بكر زنيبر، وحيث حدد لي المكتب رقم 49.

ولكن المفاجأة كانت هناك. حيث عند وصولي إلى المكتب، فوجئت بمن يتولون تسيير العملية يخبرونني بأن اسمي غير موجود في اللائحة، رغم أنني كنت أتوفر على رقم ترتيبي يتجاوز الثلاثين ألفا. فتم توجيهي بعد ذلك إلى مكتب آخر يوجد به شخص أمام حاسوب. سلمته بطاقتي، فإذا به يمنحني رقما ترتيبيا آخر، هذه المرة ضمن 24 ألفا وما بعد المائتين. هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

كيف يمكن لمواطن أن يتوصل بمعطيات رسمية تحدد مكان تصويته ورقمه الترتيبي، ثم يصل إلى المكتب المحدد له فلا يجد اسمه؟ وكيف يظهر له رقم ترتيبي آخر في مكان آخر؟ بعد ذلك، قمت بواجبي، أدليت بصوتي وخرجت. ولكن الأسئلة بقيت معي.

ثم جاءت تدوينات مواطنين آخرين لتزيد الصورة تعقيدا. أحدهم تحدث عن كونه مسجلا ويتوفر على رقمه الترتيبي وجميع معلومات مكتب التصويت، قبل أن يفاجأ، حسب ما نشره، بأنه غير مسجل عندما وصل إلى المكتب. كما تحدث عن وجود أشخاص مسجلين في أماكن لم يعودوا، حسب قوله، يقطنون بها. قد تكون هذه الحالات فردية. وقد تكون لها تفسيرات تقنية أو إدارية. ولكن في يوم انتخابي، لا يجوز التعامل مع مثل هذه الأسئلة بمنطق «لا شيء وقع». لأن المواطن لا يطلب المستحيل.

إن المواطن يريد فقط أن يعرف لماذا تقول له المنظومة الرسمية شيئا، ثم يجد أمام مكتب التصويت شيئا آخر. حيث ما وقع في طنجة نقل الموضوع إلى مستوى أكثر خطورة. فقد تداولت منصات التواصل ووسائل إعلام مشاهد تتحدث عن ضبط شخص بحقيبة تحتوي على أوراق انتخابية تحمل تصويتا مسبقا لفائدة حزب الأصالة والمعاصرة، في واقعة أصبحت موضوع بحث قضائي.

وهنا يجب أن نكون واضحين، لأن التحقيق وحده هو القادر على تحديد حقيقة ما وقع والمسؤوليات المترتبة عنه. حيث مجرد وصول مثل هذه الأوراق إلى محيط عملية الاقتراع كاف لطرح أسئلة ثقيلة لا يمكن دفنها تحت عنوان «حالة معزولة» قبل ظهور الحقيقة، وهي من أين أتت تلك الأوراق؟ ومن المسؤول؟ وهي أسئلة ضمن تلك التي لا يستطيع أحد الإجابة عنها، لسبب بسيط وهو خشية تورط مركز القرار في ذلك.

إن الاقتراع السري يقوم على أن يدخل المواطن إلى المعزل، ويختار بنفسه، ثم يضع ورقته في الصندوق. وأما أن تظهر أوراق مصوت عليها مسبقا، وأن يتم ضبط شخص يحملها، فذلك إن ثبتت تفاصيله قضائيا، ليس مجرد تفصيل صغير في انتخابات كبيرة، بل مساس مباشر بجوهر العملية الانتخابية. حيث هنا تعود إلى الواجهة عبارة عبد اللطيف وهبي الشهيرة: «أتحداكم». لأن العبارة قد تكون قد قيلت في سياق مختلف، وقد لا تكون لها أي علاقة بما وقع اليوم.

و في ظل هذه الوقائع والأسئلة، تعود إلى ذاكرة الرأي العام بقوة. ومعها سؤال أكبر، وهو من كان يتحدى من؟ فأنا لا أملك جوابا، ولن أضع في فم الرجل ما لم يقله، ولن أتهم أحدا دون دليل. لكنني أملك الحق في طرح السؤال. وأملك الحق في أن أقول إن ما رأيته اليوم، وما قرأته لاحقا، وما ظهر في طنجة، يجعل الصورة أكثر قتامة ويجعل المواطن في حاجة إلى أجوبة لا إلى خطابات. لأن الديمقراطية لا تُدقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع. بل الديمقراطية تقاس بما إذا كان المواطن يستطيع أن يثق في أن اسمه موجود حيث يفترض أن يكون، وأن صوته سيحتسب كما أدلى به، وأن الصندوق لن يتحول إلى مساحة يمكن أن تتدخل فيها إرادات أخرى غير إرادة الناخب.

ومن هنا فإن السؤال، لم يعد فقط من سيفوز؟ بل السؤال، أصبح هل نحن أمام انتخابات أم أمام إدارة للانتخابات؟ حيث الفرق بين الاثنين شاسع، لأن الانتخابات الحقيقية تعني أن المواطن هو صاحب الكلمة الأخيرة. وأما إدارة الانتخابات، بالمعنى الذي يخشاه المواطن، فتعني أن هناك من يحدد مسبقا حدود الممكن، ثم يترك للناخب أن يتحرك داخل تلك الحدود. وهذا تحديدا هو ما يجب أن تنفيه المؤسسات بالأفعال، لا بالكلام. لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث للدولة ليس أن يخسر حزب أو يفوز حزب. بل الأخطر أن يفقد المواطن الثقة في الصندوق.

فإذا وصل المواطن إلى قناعة بأن صوته لا يغير شيئا، وأن النتائج يمكن أن تدار من خارج إرادته، فلن يحتاج أحد إلى دعوته لمقاطعة الانتخابات. بل سيقوم بذلك بنفسه. وهنا أفهم، وإن كنت لا أقبل، المنطق الذي دفع حزب النهج الديمقراطي إلى الدعوة لمقاطعة الانتخابات. لأنني أنا أعتبر المقاطعة سلوكا غير مقبول ولا يخدم الوطن ولا المواطنين، لأن ترك الصناديق فارغة من أصوات المواطنين لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير قواعد اللعبة، بل قد يترك المجال مفتوحا أمام من يقررون المشاركة.

ولكن المفارقة الكبرى هي أن العزوف الانتخابي نفسه قد يتحول إلى مادة يستفيد منها من يريدون إضعاف المشاركة الشعبية. وإذا كان المواطنون سيبتعدون عن الصناديق بسبب فقدان الثقة، ثم تملأ الساحة السياسية بمن حضر، فإننا سنكون أمام نتيجة أخطر من مجرد انخفاض نسبة المشاركة. بل سنكون أمام ديمقراطية بلا ثقة. وهذه هي النقطة التي يجب أن يفهمها الجميع. فلا يمكن بناء دولة قوية بمواطن يشك في مؤسساتها. ولا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بمواطن يذهب إلى مكتب التصويت اعتمادا على رسالة رسمية، ثم يجد أن اسمه غير موجود. ولا يمكن حماية صورة الانتخابات إذا كانت مشاهد من قبيل واقعة طنجة تظل بلا أجوبة واضحة وحاسمة.

لذلك، لا أريد حكما مسبقا، بل أريد تحقيقاً. ولا أريد اتهاما سياسيا. بل أريد حقيقة. ولا أريد بيانات لتبرير ما وقع. بل أريد أن أعرف كيف وقع، حيث إذا ثبت أن ما حدث في طنجة مجرد محاولة فردية، فليتحمل صاحبها المسؤولية كاملة. وإذا ثبت وجود شبكة أو تنظيم أو توجيه أو استعمال لأوراق انتخابية معدة مسبقا، فحينها يجب أن تكون المحاسبة بحجم خطورة الفعل. لأن الأمر عندها لن يتعلق بحزب أو مرشح أو صندوق. بل سيتعلق بإرادة ملايين المواطنين.

ومن هنا، فإن ما حدث اليوم لا يجب أن يمر. ليس لأنني أريد إسقاط هذا الطرف أو ذاك. وليس لأنني أريد أن أضع نفسي مكان القضاء. بل لأن المواطن المغربي يستحق أن يعرف الحقيقة. لقد مر أكثر من ستة عقود على انتخابات 1963، وإذا كنا اليوم ما زلنا نطرح الأسئلة نفسها حول نزاهة العملية الانتخابية، وحول علاقة الدولة بإرادة الناخب، وحول ما إذا كان الصندوق قادرا فعلا على إنتاج التغيير، فعلينا أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا سؤالا جوهريا، وهو ماذا تغير فعلا؟

وإذا كانت الإجابة أن كل شيء تغير إلا جوهر العلاقة بين المواطن وصندوق الاقتراع، فهذه ليست مشكلة انتخابات فقط. بل هذه مشكلة ثقة في الدولة. بحيث إذا ضاعت الثقة، فإن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس مقعدا برلمانيا ولا حزبا سياسيا. بل أن نخسر إيمان المواطن بأن صوته يستحق أن يسمع. حيث من هنا تبدأ نهاية أي ديمقراطية، مهما كانت جميلة شعاراتها.

يتبع…

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *