رصد المغرب /
مع انطلاق أشغال البرلمان الجديد، بدأت ملامح المشهد السياسي تتضح تدريجيا، في ظل تحولات لافتة في مواقع الأحزاب وعلاقاتها، بعدما رفض حزب العدالة والتنمية عرض حزب الأصالة والمعاصرة بشأن الانضمام إلى الحكومة الجديدة، لتتجه الأنظار نحو حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي وجد نفسه أمام واقع سياسي مختلف عقب مغادرة رئيسه السابق عزيز أخنوش المشهد الحزبي، وما رافق ذلك من تساؤلات حول موقع الحزب في المرحلة المقبلة.
وخلال الجلسات البرلمانية الأولى، برزت مؤشرات على توجه حزب التجمع الوطني للأحرار نحو اعتماد خطاب معارض حاد، في محاولة لإعادة ترتيب أوراقه السياسية وتأكيد حضوره داخل المؤسسة التشريعية، بعدما ظل لسنوات جزءا من الأغلبية الحكومية، منذ تأسيسه، ومكونا أساسيا في عدد من الحكومات المتعاقبة.
وشكلت جلسة الأربعاء محطة بارزة في هذا السياق، بعدما وجه نواب من الحزب انتقادات قوية للحكومة وبرنامجها، في مشهد يعكس التحول من موقع المشاركة في تدبير الشأن الحكومي إلى موقع المساءلة والمواجهة السياسية. حيث لم يقتصر الأمر على انتقاد التوجهات العامة للبرنامج الحكومي، بل امتد إلى استعمال أوصاف حادة اعتبرها متابعون مؤشرا على دخول مرحلة جديدة من التنافس بين مكونات المشهد السياسي.
وكان محمد البكوري، أحد أبرز المتدخلين باسم الحزب، في صلب هذا النقاش، من خلال انتقادات طالت البرنامج الحكومي، الذي وصف بحسب ما ورد في المداخلات، بأنه يفتقر إلى الوضوح والتماسك، مع التشكيك في قيمته المضافة وفي طبيعة إعداده. وهي مواقف تعكس، في نظر مراقبين، رغبة الحزب في إثبات قدرته على ممارسة المعارضة، وعدم الاكتفاء بدور المتفرج على تدبير الحكومة الجديدة.
غير أن هذه المواجهة تكتسي أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة العلاقات السياسية السابقة بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، اللذين تقاسما تجربة الأغلبية الحكومية خلال الولاية المنتهية. حيث انتقال العلاقة بين الطرفين من التنسيق داخل الحكومة إلى التنافس من مقاعد المعارضة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تتسم بتبادل الانتقادات ورفع سقف المواجهة السياسية.
وفي هذا السياق، تبدو رئيسة الحكومة، فاعلة أساسية في معادلة سياسية تتداخل فيها حسابات الأغلبية والمعارضة، خصوصا في ظل التحولات التي أعقبت تشكيل الحكومة الجديدة. كما أن تقاطع مواقف بعض مكونات المعارضة، ومن بينها التجمع الوطني للأحرار وحزب العدالة والتنمية، قد يفرض على حزب الأصالة والمعاصرة تدبير مرحلة دقيقة، عنوانها الحفاظ على تماسك الأغلبية والقدرة على مواجهة الانتقادات داخل البرلمان.
وتبقى الأسئلة المطروحة مرتبطة بمدى قدرة التجمع الوطني للأحرار على تحويل خطابه التصعيدي إلى ممارسة معارضة منظمة وفعالة، وبما إذا كانت المواجهة مع حليف الأمس ستظل في حدود الاختلاف حول البرنامج الحكومي، أم ستتطور إلى صراع سياسي أوسع حول الحصيلة والاختيارات وتدبير المرحلة المقبلة.
ومع توالي الجلسات البرلمانية، سيكون الاختبار الحقيقي أمام مختلف الأطراف هو مدى قدرتها على تقديم بدائل واقعية، وإقناع الرأي العام بجدية مواقفها، بعيدا عن تبادل الاتهامات والمزايدات السياسية. لأن المعارضة لا تقاس فقط بحدة الخطاب، كما أن الأغلبية لا تقاس بمجرد امتلاك العدد، بل بقدرة كل طرف على الدفاع عن اختياراته وتحمل مسؤوليته أمام المواطنين.
شارك المقال























Leave a Reply