رصد المغرب/محمد بنعياد*
كلما شهد العالم حدثًا كبيرًا، تسابق الناس إلى تفسيره؛ فهذا يراه انتصارًا، وآخر يراه هزيمة، وثالث يصفه بأنه بداية مرحلة جديدة، بينما يذهب فريق آخر إلى أنه مجرد حدث عابر، غير أن القرآن الكريم يدعونا إلى منهج أعمق من مجرد متابعة الوقائع أو الانحياز إلى أحد أطرافها؛ إنه يدعونا إلى قراءة الأحداث في ضوء السُّنن الربانية التي تحكم حركة الأمم والمجتمعات والدول.
ومن أهم ما يكشفه القرآن في هذا الباب أن الأحداث الكبرى لا تفسَّر بسنة واحدة، بل تتداخل فيها سنن متعددة، يعمل بعضها مع بعض، فتتشابك آثارها، ويصعب إدراك حقيقتها إذا نظر الإنسان إليها من زاوية واحدة فقط.
ولعل من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الواقع اختزال الأحداث في تفسير واحد؛ فيقال: هذا نصر، أو هزيمة، أو عقوبة، أو ابتلاء، وكأن سنة واحدة تكفي لتفسير واقع شديد التعقيد، بينما يبين القرآن أن سنن الله تتفاعل في الحدث الواحد، وأن لكل سنة مجالها وآثارها وشروطها.
فالابتلاء سنة ماضية، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، والتمحيص سنة أخرى، قال سبحانه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والتدافع سنة تحفظ توازن الحياة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، والتداول سنة تذكر بأن القوة لا تستقر لأمة على الدوام: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾كما أن الإملاء ليس إكرامًا بالضرورة، بل قد يكون استدراجًا، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾.
ومن هنا، فإن قراءة أي حدث معاصر تقتضي استحضار هذا التداخل، فلا يُنظر إليه من خلال سنة واحدة، ولا يُنزَّل عليه حكم واحد بصورة قاطعة، فقد يكون الحدث ابتلاءً لفئة، وتمحيصًا لأخرى، وتداولًا في موازين القوة، وتدافعًا بين أطراف متعددة، مع بقاء مآلاته النهائية في علم الله وحده.
وهذا الفهم يميز بين ثبات السنن واجتهاد الإنسان في تنزيلها؛ فالسنن التي أخبر بها القرآن حق لا تتبدل، أما تعيين تحققها في واقعة بعينها فهو اجتهاد يحتاج إلى علم بالشرع، وإحاطة بالواقع، وإدراك لشروط السنن وموانعها، ولذلك كان من الخطأ أن يُبنى الموقف من الأحداث على العاطفة أو على التفسير المتعجل، كما أنه من الخطأ أن يُدَّعى القطع بأن واقعة معينة تمثل تحقق سنة محددة على وجه اليقين.
إن هذا المنهج لا يورث التردد، بل يورث البصيرةـ فهو يدعو إلى التأمل في الأسباب، وفهم حركة المجتمعات، وربط الجزئيات بالكليات، دون إغفال أن الله سبحانه هو المدبر، وأن علمه محيط بما كان وما سيكون.
ومن هنا تتجلى أهمية ما يمكن أن نسميه العقل السُّنني؛ فهو عقل لا يكتفي بمتابعة الأخبار، ولا ينجرف وراء الانفعالات، وإنما يحاول أن يفهم الأحداث في ضوء الهداية القرآنية، مستحضرًا أن سنن الله لا تعمل منعزلة، بل تتفاعل في شبكة واحدة، لا يدرك حقيقتها إلا بالنظر الشامل.
ولعل من أعظم ما يربي عليه القرآن في هذا الباب أن الإنسان لا يتعجل إصدار الأحكام على الوقائع قبل اكتمال مساراتها؛ فكم من حدث ظُنَّ أنه نهاية الطريق، فإذا به يصبح بداية لتحولات أخرى، وكم من قوة بدت راسخة ثم تغير حالها مع تغير الأسباب، ولذلك فإن الباحث في السنن لا ينشغل باللحظة وحدها، وإنما ينظر إلى امتدادها في الزمن، وإلى ما قد تؤول إليه في إطار السنن الإلهية، مع بقاء علم الغيب لله وحده.
إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى هذا المنهج؛ لأنه يحررها من التفسيرات السطحية، ويغرس فيها فقهًا يربط بين النص والواقع، وبين الإيمان والعمل، وبين السنن والمآلات، وبهذا تتحول متابعة الأحداث من مجرد تفاعل عاطفي إلى وعي منهجي، يفتح باب الفهم، ويعين على حسن التقدير، دون تجاوز لحدود ما يعلم الإنسان وما يجهله.
وفي المقالة القادمة سننتقل خطوة أخرى، لنتناول استشراف المآلات في ضوء السُّنن الربانية، وكيف يمكن للباحث أن يستفيد من الهداية القرآنية في قراءة الاتجاهات العامة للأحداث، مع الالتزام بضوابط الاجتهاد، والتمييز بين الاستقراء المشروع، والادعاء الممنوع.
محمد بنعياد
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط
هذه المقالة هي السابعة ضمن سلسلة: “فقه السُّنن الربانية: قراءة قرآنية في الواقع المعاصر”
شارك المقال






















Leave a Reply