رصد النغرب / عبدالله السعدي /
دخل الإطار المنظم لأسعار الأدوية في المغرب مرحلة جديدة، عقب صدور المرسوم رقم 2.25.631 بتاريخ 23 يوليوز 2026، الذي عدّل المرسوم رقم 2.13.852 المتعلق بشروط وإجراءات تحديد سعر البيع العام للأدوية المصنعة محلياً أو المستوردة، في إصلاح يستهدف تحديث آليات التسعير وتعزيز الولوج إلى العلاج وضمان استمرارية تزويد السوق الوطنية بالأدوية.
وجاء المرسوم الجديد بعد مشاورات مع الهيئة الوزارية المشتركة للأسعار، والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، ومجلس المنافسة، والهيئة العليا للصحة، حيث شمل تعديلات تقنية وتنظيمية مرتبطة بكيفية احتساب الأسعار، ومراجعتها الدورية، إلى جانب تحديد قواعد خاصة بالأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية.
ويوسع النص الجديد نطاق تطبيق نظام تحديد الأسعار ليشمل الأدوية البشرية المصنعة محلياً أو المستوردة الحاصلة على ترخيص للتسويق، فضلاً عن الأدوية الحاصلة على تراخيص مشروطة أو تراخيص للاستخدام الطارئ أو تراخيص خاصة، وفقاً للمقتضيات القانونية المنظمة للأدوية والصيدلة.
وبالنسبة للأدوية المستوردة، وضع المرسوم آلية جديدة لتحويل سعر المصنع قبل احتساب الضرائب إلى الدرهم، بالاعتماد على المتوسط الحسابي لأسعار صرف الدرهم التي ينشرها بنك المغرب خلال الأشهر الثلاثة السابقة لتحديد السعر. كما تُضاف نسبة 2.5 في المائة إلى سعر المصنع لتغطية تكاليف المناولة والرسوم الجمركية.
كما عمل الإصلاح على توضيح طريقة تحديد سعر المصنع في الحالات التي لا يتوفر فيها سعر الدواء الأصلي بالدول المرجعية المعتمدة، فضلاً عن وضع قواعد لإعادة احتساب السعر عند تغيير حجم العبوة أو الجرعة أو عدد الوحدات.
وتختلف معاملات إعادة احتساب الأسعار بحسب الشكل الصيدلاني، بما يشمل الأقراص والكبسولات، والأمبولات والمحاليل الفموية، والتحاميل، والمستحضرات الجلدية والعينية، والحقن، والمحاليل والقطرات. ويهدف هذا التنظيم إلى الحد من الفوارق السعرية الناتجة فقط عن تغيير شكل العبوة أو الجرعة، وتحقيق قدر أكبر من الانسجام في أسعار المنتجات ذاتها.
ومن أبرز مستجدات الإصلاح اعتماد مراجعة دورية لأسعار الأدوية ذات العلامات التجارية، تتم كل ثلاث سنوات. وبالنسبة للأدوية التي يتجاوز سعرها 300 درهم، تعتمد المراجعة على مقارنة السعر المغربي بأدنى سعر بيع في الدول المرجعية المحددة في النص، فيما تستند مراجعة الأدوية التي يبلغ سعرها 300 درهم أو أقل إلى متوسط سعر المصنع قبل الضرائب في تلك الدول.
غير أن المرسوم أقر إمكانية الإبقاء على السعر المعمول به أو تعديله، إذا أظهرت المقارنة سعراً أقل من السعر المطبق في المغرب، وذلك بناء على طلب معلل من الشركة المعنية، مع مراعاة المعطيات الاقتصادية وخصوصيات تسويق الدواء.
وتشمل المراجعة أيضا الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية، إذ ينص المرسوم على تعديل سعر المصنع، باستثناء الضرائب، لهذه الأدوية وفق نسبة التخفيض المطبقة على الدواء ذي العلامة التجارية، على ألا تتجاوز نسبة التخفيض 15 في المائة. وفي جميع الحالات، لا يجوز أن يصبح سعر الدواء الجنيس أو البديل الحيوي بعد المراجعة أعلى من سعر الدواء ذي العلامة التجارية المماثل.
كما وضع النص عتبات للتخفيضات حتى لا تؤدي المراجعات إلى تخفيضات هامشية لا أثر فعليا لها. فلا يطبق التخفيض إذا كان أقل من درهم واحد بالنسبة للأدوية التي لا يتجاوز سعرها 15 درهما، فيما يشترط، بالنسبة للأدوية التي تتراوح أسعارها بين 16 و70 درهما، ألا يقل التخفيض عن درهمين.
ويتيح المرسوم كذلك لشركات الأدوية طلب تخفيض أسعار بعض المنتجات وفق شروط محددة، مع اشتراط ألا يؤدي تخفيض أسعار الأدوية الأصلية ذات العلامات التجارية إلى مستويات لا تتوافق مع أسعار البدائل الجنيسة أو الحيوية المتوفرة في السوق.
ومن المستجدات المهمة أيضا إدراج آلية تفاوضية جديدة من خلال المادة 22 مكرر، التي تسمح بإبرام اتفاقيات مع شركات الأدوية لمنح خصومات بشأن الأدوية ذات الأثر المالي الكبير. وستحدد معايير تحديد الأدوية المعنية بموجب قرار مشترك للسلطتين الحكوميتين المكلفتين بالصحة والميزانية، بما يفتح المجال أمام التفاوض حول تكلفة العلاجات التي قد تشكل عبئا كبيرا على منظومة التغطية الصحية.
وفي المقابل، أولى الإصلاح أهمية خاصة لأمن الإمدادات، من خلال منح السلطات المختصة إمكانية اتخاذ تدابير استثنائية ومؤقتة بشأن أسعار بعض الأدوية، خارج القواعد المعتادة، بهدف تفادي انقطاعها من السوق.
ويمكن اللجوء إلى هذه التدابير في حالات الطوارئ الصحية العامة، أو النقص الحاد في الأدوية، أو وجود مخاوف جدية بشأن نفاد المخزون، أو عندما تعجز مؤسسة دوائية مرخصة عن تلبية حاجيات السوق الوطنية. وتحدد مدة هذه الإجراءات بشكل مشترك من قبل السلطتين الحكوميتين المعنيتين.
ويعكس هذا المقتضى تحولا في مقاربة تسعير الأدوية، بحيث لم يعد السعر ينظر إليه باعتباره مسألة مالية فقط، بل باعتباره أحد العوامل المرتبطة باستمرارية توفر الأدوية وحماية الأمن الدوائي الوطني.
وحدد المرسوم، في إطار مرحلة انتقالية، مهلة 12 شهراً لمراجعة أسعار الأدوية ذات العلامات التجارية والجنيسة والبدائل الحيوية الموجودة في السوق بتاريخ نشر المرسوم، وذلك وفق القواعد الجديدة. كما يتعين تطبيق الأسعار الناتجة عن هذه المراجعة في أجل أقصاه 60 يوما من تاريخ نشر القرار المعني في الجريدة الرسمية.
وبذلك، يفتح الإصلاح الجديد مرحلة واسعة لإعادة ترتيب أسعار الأدوية في المغرب، وسط ترقب لنتائج المراجعة المرتقبة وانعكاساتها على أسعار العلاجات وكلفة التغطية الصحية، وكذلك على استقرار سوق الدواء. وستكون فعالية النظام الجديد مرتبطة، إلى حد كبير، بكيفية تطبيق آليات التفاوض بشأن الأدوية مرتفعة التكلفة، وبمدى قدرة التدابير الاستثنائية على تحقيق التوازن بين خفض الأسعار وضمان استمرار توفر الأدوية في السوق الوطنية.
شارك المقال























Leave a Reply