رصد المغرب / عبدالعالي بريك /
لم تعد المواجهة بين الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، ومدير ومؤسس مؤسسة (شوف تيفي)، إدريس شحتان، مجرد خلاف عابر بين سياسي وإعلامي، بل تحولت، خلال الأشهر الماضية، إلى مواجهة متعددة الواجهات تتقاطع فيها السياسة بالإعلام، والمال العام بالانتخابات، والممارسة المهنية بأسئلة النفوذ والتأثير.
فما بدأ في سنة 2025 بسجال حول الدعم العمومي الموجه للمؤسسات الصحفية والإعلامية، سرعان ما انتقل إلى ملفات أخرى، قبل أن يعود إلى الواجهة من خلال تدوينتين متتاليتين لمحمد أوزين، حملتا لهجة أكثر تصعيدا، وانتهتا بعبارة (يتبع)، بما يوحي بأن المواجهة لم تصل بعد إلى فصلها الأخير.
تعود إحدى أبرز محطات الخلاف إلى دجنبر 2025، عندما أثار محمد أوزين داخل البرلمان قضية الدعم العمومي الموجه للمقاولات الصحفية والإعلامية، منتقدا استفادة بعض المنابر من المال العام. ومع اتساع النقاش، دخل اسم إدريس شحتان ومؤسسة (شوف تيفي) إلى قلب السجال، ليتحول النقاش من قضية عامة مرتبطة بتدبير الدعم العمومي إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين.
ورد شحتان آنذاك بانتقادات حادة لأوزين، كما أعلن استعداده للتحقق المؤسساتي من المعطيات المثارة، بل وصل الأمر إلى الحديث عن إمكانية إحداث لجنة برلمانية لتقصي الحقائق. وهكذا تشكلت منذ البداية معادلة المواجهة. حيث اتهامات وتساؤلات سياسية من جهة، ونفي ودعوة إلى التحقق المؤسساتي من جهة أخرى. وهي معادلة تجعل الحسم في الملف رهينا بالوثائق والجهات المختصة، وليس فقط بالسجال الإعلامي.
ولم يظل الخلاف محصورا في ملف الدعم العمومي، إذ دخلت لاحقا قضية أخرى إلى الواجهة مرتبطة بممتلكات عقارية نسبت إلى إدريس شحتان. وهو ما غير طبيعة المواجهة مرة أخرى، لأن الحديث عن الملكية والممتلكات لا يمكن أن يحسمه التراشق الإعلامي، وإنما الوثائق الرسمية والسجلات العقارية والجهات المخولة قانونً. وبذلك بدا أن الخلاف يتسع تدريجيا من نقاش حول الإعلام والدعم العمومي إلى معركة أكبر حول المال والنفوذ والممارسة الإعلامية.
وبعد أشهر من الهدوء النسبي، عاد محمد أوزين إلى المواجهة من خلال تدوينة حملت عنوان (هلوسات هبنقة)، وجه فيها انتقادات واسعة إلى شحتان ومنبره الإعلامي. واتهم أوزين خصمه، بحسب روايته، بمحاولة تحويله إلى (شماعة) لفشل مخططاته، كما تحدث عن محاولات للهيمنة على جزء من الحقل الإعلامي، وطرح أسئلة حول التمويل والريع الإعلامي والإنتاج السينمائي. كما انتقد الطريقة التي يتم بها تقديم بعض المضامين الإعلامية، معتبرا أن بعضها يسيء إلى صورة المجتمع والمؤسسات.
وتبقى هذه المعطيات اتهامات صادرة عن أوزين ولا تمثل، في حد ذاتها، وقائع ثابتة ما لم تؤيدها وثائق أو أحكام أو نتائج تحقيقات رسمية. حيث اللافت في التصعيد الأخير أن الخلاف لم يعد متعلقا بالمحتوى الإعلامي فقط، بل أصبح مرتبطا كذلك بالسياق الانتخابي. لأن أوزين انتقد، بحسب ما ورد في تدوينته، طريقة تقديم بعض الصور والمناسبات السياسية، معتبرا أن استخدامها قد يسهم في خلق صورة سلبية عن الأحزاب والمؤسسات والتشكيك في العملية الانتخابية.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز الطرفين، وهو أين تنتهي حرية النقد الإعلامي، وأين تبدأ مسؤولية الإعلام تجاه الانتخابات والمؤسسات والرأي العام؟ بل إنه سؤال يزداد حساسية مع توسع تأثير الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لصورة قديمة أو مقطع مجتزأ أو عنوان مثير أن ينتقل في ساعات قليلة من فضاء إعلامي محدود إلى قضية رأي عام.
ووسط هذا التصعيد، طرح محمد أوزين خيار المناظرة العلنية مع إدريس شحتان. حيث تحمل هذه الدعوة دلالة سياسية وإعلامية مهمة، لأنها تقترح نقل المواجهة من فضاء التدوينات والردود المتبادلة إلى فضاء مباشر أمام الرأي العام. لكن المناظرة، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تحسم وحدها ملفات ذات طبيعة قانونية أو مالية. فهي قد تضع الروايتين أمام الجمهور، لكنها لا تعوض الوثائق أو التحقيقات أو الأحكام القضائية.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية للمناظرة، إن تمت، ستكون في كشف الروايات المتعارضة ووضع كل طرف أمام مسؤولية ما يقوله. حيث قبل أن تهدأ أصداء التدوينة الأولى، نشر أوزين تدوينة ثانية بعنوان (إلى شحتان قبل أن يفوت الأوان)، عاد فيها إلى ملفات قديمة، وانتقد بشدة المحتوى الذي تقدمه المؤسسة الإعلامية التي يديرها شحتان. كما تحدث عن ممارسة الضغط على فاعلين سياسيين واقتصاديين، واتهم، بحسب روايته، شحتان باستعمال أدوات الإعلام في ممارسة الضغط والتشهير والمساومة. وهذه من أكثر أجزاء المواجهة حساسية، بالنظر إلى طبيعة الاتهامات المتبادلة، ولذلك فإن التعامل معها يظل مشروطا بقاعدة أساسية، فلا يجوز تحويل الاتهام السياسي أو الإعلامي إلى حقيقة قانونية قبل أن تثبته الجهات المختصة.
ولم يتوقف التصعيد عند العلاقة المباشرة بين أوزين وشحتان، بل امتد إلى مؤسسات وهيئات مهنية مرتبطة بالمشهد الإعلامي. فقد تحدث أوزين عن المجلس الوطني للصحافة، كما دخلت إحدى الجمعيات المهنية في دائرة السجال، مع حرصه، بحسب ما ورد في تدوينته، على التأكيد أن خلافه ليس مع الصحفيين بصفة عامة، وإنما مع شحتان ومنبره الإعلامي تحديدا. وهذا التفصيل مهم في قراءة المواجهة، لأنه يكشف محاولة من جانب أوزين للفصل بين الخصومة الشخصية أو السياسية وبين الجسم الصحفي والمجال المهني ككل.
وتكمن أهمية هذه المواجهة في أنها لم تعد تخص الرجلين فقط. بل هي تفتح نقاشا أوسع حول علاقة الإعلام بالسياسة في المغرب، وحول الحدود الفاصلة بين النقد والإثارة، وحرية التعبير والتشهير، والاستقلالية الإعلامية والتأثير السياسي، والإعلام الرقمي والمسؤولية المهنية. كما تعيد إلى الواجهة سؤال الدعم العمومي للصحافة، ومعايير الاستفادة منه، ومدى شفافية آليات توزيعه ومراقبته.
وبذلك يمكن النظر إلى مواجهة أوزين وشحتان باعتبارها مرآة لصراع أوسع حول موقع الإعلام في المجال السياسي المغربي، خصوصا في مرحلة تتقاطع فيها الانتخابات مع التحولات الكبيرة التي يعرفها الإعلام الرقمي. لأن السؤال الذي ينتظر الجواب، هو أين الوثائق؟ لأن بعد كل هذه الجولات من الجدال والتراشق بالاتهامات، يبدو أن المواجهة وصلت إلى نقطة يصعب فيها الاكتفاء بالتدوينات. حيث إذا تعلق الأمر بالدعم العمومي، فإن الحسم يكون بالأرقام والوثائق. وإذا تعلق الأمر بالممتلكات، فالمرجع هو السجلات الرسمية. وإذا تعلق الأمر بادعاءات ذات طبيعة قانونية، فالجهات القضائية والمؤسسات المختصة هي صاحبة الاختصاص. وأما المناظرة، إذا تمت، فقد تكون وسيلة لكشف التناقضات بين الروايتين أمام الرأي العام.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر أهمية، لم يعد من ينتصر في حرب التدوينات؟ بل أصبح هل ستنتقل المواجهة من فضاء الاتهامات المتبادلة إلى فضاء الوثائق والمؤسسات؟ لأنها مواجهة مفتوحة. والفصل القادم لم يكتب بعد.
وحتى الآن، يبدو أن المواجهة لم تصل إلى نهايتها. فمحمد أوزين اختار أن يختم تدوينته الأخيرة بعبارة (يتبع)، في إشارة إلى احتمال ظهور معطيات أو ردود جديدة. وفي المقابل، يظل إدريس شحتان أمام مساحة للرد على الاتهامات الجديدة، كما سبق له أن دخل في سجال مباشر مع أوزين خلال المرحلة الأولى من المواجهة سنة 2025.
وبين الرجلين، يقف الرأي العام أمام سؤال يتجاوز تفاصيل الخصومة، وهو هل نحن أمام مجرد صراع شخصين، سياسي وإعلامي، أم أمام مواجهة تعكس أزمة أعمق في العلاقة بين السياسة والإعلام والمال والنفوذ؟ والإجابة لن تحسمها كثرة التدوينات ولا حجم التفاعل الرقمي، وإنما ما يمكن تقديمه من وثائق ومعطيات قابلة للتحقق، وردود واضحة، ومواقف مؤسساتية. وفي انتظار ذلك، تبقى عبارة أوزين الأخيرة مفتوحة على احتمالات متعددة، وهي(يتبع).
شارك المقال























Leave a Reply