إصرار وهبي يفتح جدلا حول توقيت المطالب المغربية في قضية سبتة ومليلية

رصد المغرب / عبدالله السعدي /


أعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، قضية سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي، بعد تجديده التأكيد على الموقف المغربي الداعي إلى فتح نقاش مع إسبانيا حول مستقبل المدينتين، في تصريحات أثارت ردود فعل سياسية وإعلامية في الضفة الشمالية من مضيق جبل طارق.

ولم يكتف وهبي بتصريح عابر، بل جدد موقفه بشكل واضح، مؤكدا أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان، وأن وضعهما ينبغي، عاجلا أم آجلا، أن يكون موضوع حوار بين الرباط ومدريد. وهو موقف ينسجم مع الطرح المغربي التاريخي بشأن المدينتين، لكنه يأتي في ظرفية دقيقة تعرف فيها العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة من التقارب والتنسيق غير المسبوقين نسبيا خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، لا تزال مدريد متمسكة بموقف مغاير جذريا، إذ تعتبر سبتة ومليلية مدينتين إسبانيتين وأوروبيتين، وترفض اعتبار سيادتها عليهما موضوعا قابلا للتفاوض. وبالتالي، فإن إعادة طرح الملف على المستوى العلني لا تبدو مرشحة لإحداث تقارب في المواقف، بقدر ما قد تعيد إحياء أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين.

ومن هنا يطرح توقيت تصريحات وهبي أكثر من علامة استفهام حول المردود الدبلوماسي الذي يمكن أن يحققه المغرب من إعادة فتح هذا الملف في الظرف الراهن. حيث العلاقات بين الرباط ومدريد شهدت، منذ التحول في الموقف الإسباني من قضية الصحراء، تطورا مهما، شمل تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، وهو ما يجعل الحفاظ على هذا المسار أولوية بالنسبة إلى المغرب.

وتكتسب قضية الصحراء أهمية خاصة في هذا السياق، خصوصا بعد إعلان الحكومة الإسبانية في مارس 2022 دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، واعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية النزاع. وقد شكل هذا التحول مكسبا دبلوماسيا مهما للرباط، بالنظر إلى الوزن السياسي لإسبانيا وموقعها داخل الاتحاد الأوروبي.

ومن ثم، فإن أي توتر جديد مع مدريد بشأن سبتة ومليلية قد يضع العلاقات الثنائية أمام اختبار إضافي، خصوصا أن الموقف الإسباني من قضية الصحراء لا يزال من الملفات التي تحرص الرباط على تثبيتها وتوسيع دائرة الدول الأوروبية الداعمة لها.

ولا يتعلق الأمر بالحكومة الإسبانية الحالية وحدها، إذ إن السياسة الخارجية لا تبنى فقط على مواقف الحكومات القائمة، وإنما ينبغي أن تأخذ في الاعتبار أيضا مواقف القوى السياسية المعارضة واحتمالات تغير موازين السلطة مستقبلا. وفي هذا الإطار، فإن التصريحات المتكررة بشأن سبتة ومليلية قد توفر مادة إضافية للأحزاب الإسبانية المنتقدة للمغرب، بما قد يعقد مهمة الحفاظ على التوافق الذي تحقق خلال السنوات الماضية.

وبمنطق الدبلوماسية، فإن طرح المطالب الوطنية يختلف عن اختيار التوقيت والأسلوب والقناة المناسبة لطرحها. فالمغرب لم يتخل تاريخيا عن موقفه من سبتة ومليلية، لكن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بمشروعية هذا الموقف من المنظور المغربي، بقدر ما يتعلق بمدى جدوى تحويله في هذه المرحلة إلى مواجهة سياسية وإعلامية مفتوحة مع مدريد.

كما يفرض الأمر التمييز بين التصريحات الصادرة عن مسؤول حكومي بصفته السياسية والحزبية، وبين ما يمكن اعتباره تعبيرا عن توجه رسمي للدولة. حيث تصريحات وهبي، بحكم موقعه السياسي والحكومي، تكتسب وزنا أكبر من تصريحات فاعل حزبي عادي، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تحول في الاستراتيجية الدبلوماسية المغربية ما لم تتبنها المؤسسات المختصة بشكل رسمي وواضح.

ويظل السؤال الأهم، هو هل يتحدث عبد اللطيف وهبي انطلاقا من موقعه الحزبي والسياسي، أم أن تصريحاته تعكس توجها أوسع داخل دوائر القرار المغربي بشأن مستقبل سبتة ومليلية؟

والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد طبيعة قراءة هذه التصريحات. بحيث إذا كانت مجرد مواقف سياسية تعبر عن رؤية حزبية، فقد تبقى في حدود الجدل الداخلي والخطاب السياسي. أما إذا كانت جزءا من توجه دبلوماسي جديد، فإن الأمر سيكون مختلفا تماما، وقد تكون له انعكاسات مباشرة على طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن ملف سبتة ومليلية سيظل حاضرا في الذاكرة السياسية والدبلوماسية للبلدين، لكن إدارة هذا الملف تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، خصوصا في مرحلة تسعى فيها الرباط إلى ترسيخ مكاسبها بشأن قضية الصحراء وتوسيع علاقاتها مع شركائها الأوروبيين.

فبين التمسك بالمطالب الوطنية وحسابات المصالح الاستراتيجية، يبقى التحدي الحقيقي هو كيفية تحقيق الأول دون التفريط بالثاني.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *