الترحال الحزبي يهدد مصداقية الطبقة السياسية قبيل الانتخابات

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يبدو أن الساحة السياسية تعيش على وقع توترات متزايدة، في ظل احتدام المنافسة على المقاعد البرلمانية وما قد تفتحه من أبواب نحو المناصب والمسؤوليات الحكومية. حيث لا يكاد حزب سياسي بمنأى عن مظاهر الغضب والتمرد والانسحاب، أو حتى انتقال بعض أعضائه إلى تشكيلات سياسية منافسة.

وتسعى مختلف الأحزاب، من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، إلى احتواء خلافاتها الداخلية وإخفاء حجم التصدعات التي تعيشها. غير أن ظاهرة الانشقاق والترحال السياسي أصبحت أكثر وضوحا، بعدما اختار عدد من المنتمين مغادرة أحزابهم والالتحاق بخصوم سياسيين، بحثا عن فرص أفضل للترشح أو موقع أكثر تأثيرا داخل الخريطة الانتخابية.

ويبدو أن غياب الحوار الداخلي، إلى جانب شعور بعض المنتمين بالتهميش، يساهم في تغذية هذه الظاهرة. كما أن المحسوبية وتغليب الاعتبارات الشخصية في منح التزكيات، وهي ممارسات تثير انتقادات متكررة داخل عدد من التنظيمات، تعد من أبرز العوامل التي تدفع نحو حالة من السخط وعدم الرضا.

ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، ارتفع عدد الراغبين في الترشح ممن لم يحصلوا على التزكية الحزبية، الأمر الذي جعل بعضهم يبحث عن بديل لدى أحزاب منافسة. وفي المقابل، تجد بعض التنظيمات في هؤلاء المرشحين فرصة لتعزيز حظوظها في دوائر انتخابية معينة، فتفتح أبوابها أمام من كانوا إلى وقت قريب خصوما لها.

هذه الممارسة لا تطرح إشكالات داخلية بالنسبة للأحزاب فحسب، بل تضع الناخب أيضا أمام حالة من الالتباس، حيث من الصعب إقناع المواطن بجدية الخطاب السياسي عندما يجد مرشحا يدافع اليوم عن ألوان حزب كان ينتقده أو يحاربه بالأمس، ثم ينتقل غدا إلى موقع سياسي آخر وفقا لموازين المصالح والفرص الانتخابية.

ومع استمرار هذا التنقل بين الأحزاب، وتراجع الفوارق بين البرامج والخطابات، وتلاشي الحدود الإيديولوجية بشكل متزايد، يصبح السؤال مطروحا حول مدى تأثير هذه الظاهرة على ثقة المواطنين في العملية السياسية برمتها. بحيث كلما بدا الانتماء الحزبي قابلا للتغيير بسهولة، كلما تراجع شعور الناخب بوجود قناعات ومشاريع سياسية ثابتة تستحق الدعم.

ومن شأن هذا الوضع أن ينعكس على نسبة المشاركة في الانتخابات، خصوصا في ظل تنامي الإحساس لدى فئات من المواطنين بأن التنافس الانتخابي أصبح مرتبطا أكثر بالمواقع والأشخاص منه بالبرامج والسياسات العامة.

ويأتي ذلك في وقت تبذل فيه وزارة الداخلية جهودا كبيرة، وتسخر إمكانيات وموارد مهمة لضمان تنظيم الانتخابات في ظروف سليمة، وحث المواطنين على المشاركة في هذا الاستحقاق باعتباره محطة أساسية في المسار الديمقراطي.

لكن نجاح العملية الانتخابية لا يرتبط فقط بحسن التنظيم والإجراءات التقنية، بل يتطلب أيضا استعادة الثقة في الفاعل السياسي، لأن الترحال المستمر بين الأحزاب، والتعامل مع الانتماء الحزبي كما لو كان مجرد قميص يمكن تغييره من موسم انتخابي إلى آخر، لا يضر بصورة حزب بعينه فقط، وإنما يهدد مصداقية الطبقة السياسية برمتها.

وخلاصة كل ذلك، فإن الثمن الأكبر لهذه الممارسات قد لا يدفعه حزب أو مرشح، وإنما تدفعه الحياة السياسية نفسها، وكلما يشعر المواطن بأن الخطاب والمواقف والانتماءات أصبحت قابلة للتبدل كلما تغيرت الحسابات الانتخابية.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *