رصد المغرب / عبد العالي بريك /
لم يكن الجمع العام الذي انعقد يوم أمس الأحد 23 غشت 2026 بجماعة أولاد الطيب، كفيلا بطي ملف الجمعية المحمدية للبر والإحسان المشرفة على تدبير دار الطالبة والنقل المدرسي، بل أعاد القضية إلى نقطة الصفر، بعدما تقدم عدد من المنخرطين بطعن في مخرجاته، مطالبين بفتح تحقيق إداري في ظروف انعقاده وإلغاء نتائجه والدعوة إلى جمع عام جديد تحت إشراف السلطة المحلية.
وتأتي هذه التطورات في سياق ملف سبق أن أثار الكثير من الجدل، بعد شكايات ومراسلات سابقة تناولت طريقة تدبير الجمعية، وخدمات النقل المدرسي، واستقالة رئيسها السابق، وهي المعطيات التي سبق لـ«رصد المغرب» أن تابعتها ونشرتها في تقارير سابقة.
ومن بين أكثر النقاط إثارة في التطور الجديد، انتخاب نفس الرئيس الذي سبق أن قدم استقالته من رئاسة الجمعية. حيث سبق أن نشرت وسائل إعلام محلية وثائق تفيد بتقديم رئيس الجمعية استقالته بتاريخ 25 غشت 2025، في وقت كانت فيه مطالب داخل الجمعية وخارجها تتجه نحو فتح مرحلة جديدة في التسيير.
غير أن الجمع العام الأخير انتهى، بحسب الوثائق التي توصلت بها «رصد المغرب»، إلى إعادة انتخاب الرئيس نفسه، وهو ما دفع عددا من المنخرطين إلى التساؤل عن المسار القانوني الذي أفضى إلى هذه النتيجة، خصوصا في ظل استمرار وجود شكايات ومراسلات مرتبطة بالجمعية أمام عدد من الجهات.
وأما بخصوص الطعن المقدم إلى والي جهة فاس مكناس يثير كذلك مسألة جوهرية تتعلق بكيفية الدعوة إلى الجمع العام. حيث بحسب أصحاب الطعن، فإن عددا كبيرا من المنخرطين لم يتم إشعارهم بموعد الجمع العام، كما لم يتم الإعلان عنه بشكل يضمن، حسب تعبيرهم، علم جميع المعنيين وتمكينهم من ممارسة حقوقهم الجمعوية.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن شرعية أي جمع عام لا ترتبط فقط بالنتيجة النهائية للتصويت، وإنما أيضا بسلامة الإجراءات التي تسبق انعقاده، وعلى رأسها استدعاء المنخرطين وتمكينهم من الحضور والمشاركة وفق القانون الأساسي للجمعية.
وتتضمن العريضة كذلك ادعاءات بشأن منع مجموعة من المنخرطين من دخول قاعة الجمع العام، وممارسة حقهم في الحضور والتصويت.
كما تتحدث الوثيقة عن حضور أشخاص تصفهم بغير المنخرطين، بينهم أفراد من عائلة رئيس الجماعة، إضافة إلى مستشار جماعي، حيث تعتبر أن حضور أشخاص لا تربطهم صفة جمعوية بالجمع العام، إن ثبت، يطرح سؤالا حول مدى احترام مبدأ المشاركة الديمقراطية داخل الجمعية.
وهنا بالضبط تظهر الحاجة إلى تحقيق إداري مستقل يحدد من كان يملك الصفة القانونية للحضور والتصويت، ومن تم تسجيله ضمن لائحة المنخرطين، ومن شارك فعليا في أشغال الجمع العام.
ومن أكثر النقاط حساسية في الوثيقة الثانية الإشارة إلى حضور مستشار جماعي تقول العريضة إنه ينتمي سياسيا إلى نفس الحزب الذي ينتمي إليه رئيس جماعة أولاد الطيب.
ولا تعني هذه المعطيات، في حد ذاتها، ثبوت وجود تدخل سياسي أو تأثير على نتائج الجمع العام، لكنها تفتح سؤالا مشروعا حول حدود العلاقة بين العمل الجمعوي والعمل السياسي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بجمعية تشرف على مرفق اجتماعي وتربوي حساس مثل دار الطالبة والنقل المدرسي.
فدار الطالبة بأولاد الطيب مدرجة ضمن مؤسسات الرعاية الاجتماعية الموجهة للتلميذات المتمدرسات، بطاقة استيعابية تبلغ 64 مستفيدة، ما يجعل طريقة تدبيرها شأنا يتجاوز حدود الخلاف الداخلي بين أعضاء جمعية. لأن القضية الحالية لا يمكن فصلها عن المسار السابق للملف.
ففي أبريل 2025، سبق أن تقدم أعضاء من الجمعية بشكاية إلى باشا قيادة أولاد الطيب، تحدثوا فيها عن اختلالات في التسيير وطالبوا بجمع عام جديد.
وفي يناير 2026، نشرت «رصد المغرب» تقريرا حول اختلالات تدبير النقل المدرسي بأولاد الطيب، بعدما راسلت جمعية أولياء التلاميذ عدة جهات، من بينها جماعة أولاد الطيب والجمعية المشرفة على المرفق، قبل توجيه شكاية إلى والي جهة فاس مكناس بتاريخ 13 يناير 2026.
وكانت الشكاية، وفق ما نشرناه آنذاك، مرتبطة خصوصا بتوقيت النقل المدرسي وأداء الأسر للواجبات، إضافة إلى وثائق تتعلق بتسيير الجمعية واستقالة رئيسها. وبالتالي، فإن الجمع العام الأخير لا يأتي في فراغ، بل يأتي فوق أرضية سبق أن شهدت خلافات وشكايات ومطالب بفتح تحقيق وإعادة ترتيب البيت الداخلي للجمعية. والسؤال الآن، هو هل انتهى الجمع العام أم بدأت مرحلة جديدة من النزاع؟
وأمام الطعن المقدم يوم 24 غشت، يبدو أن الملف دخل مرحلة جديدة. لأن أصحاب الطعن يطالبون والي جهة فاس مكناس بالتدخل لفتح تحقيق إداري، والتحقق من ظروف انعقاد الجمع العام، وترتيب الآثار القانونية التي قد تترتب عن ثبوت أي خروقات، إضافة إلى إلغاء مخرجات الجمع العام المنعقد يوم 23 غشت والدعوة إلى جمع عام جديد يضمن، حسب تعبيرهم، مشاركة المنخرطين الحقيقيين وتحت إشراف السلطة المحلية.
وفي المقابل، تبقى نتائج الجمع العام قائمة من الناحية الواقعية إلى حين صدور قرار من الجهة المختصة أو حكم قضائي بشأن الطعون، ولذلك فإن «رصد المغرب» يفتح هذا الملف على قاعدة أساسية: لا إدانة مسبقة لأي طرف، ولا تبرئة مسبقة لأي طرف، وإنما البحث عن الحقيقة عبر الوثائق والقانون وحق الرد.
وبعيدا عن الأشخاص والخلافات الانتخابية داخل الجمعية، يبقى السؤال الأكبر، هو ماذا عن التلميذات والتلاميذ المستفيدين؟ لأن المرفق المعني يرتبط مباشرة بالتمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، وقد سبق أن أكدت مصادر منشورة أن دار الطالبة بأولاد الطيب توفر الإيواء والإطعام والنقل لفائدة فتيات من الوسط القروي، وأن طاقتها الاستيعابية تبلغ 64 فتاة.
كما أن النقل المدرسي الذي تدبره الجمعية يخدم مئات الأسر والتلاميذ بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يجعل استمرار النزاع الداخلي دون حسم إداري وقانوني واضح خطرا على استقرار مرفق اجتماعي لا علاقة للتلاميذ بخلافاته.
اليوم، وبعد الطعن الجديد، لم يعد السؤال فقط هو من انتخب رئيسا؟ بل أصبح السؤال الأهم، هو هل انعقد الجمع العام وفق القانون؟ وهل تم استدعاء جميع المنخرطين المستحقين؟ ومن يملك حق الحضور والتصويت؟ وهل كانت عملية انتخاب المكتب الجديد مطابقة للقانون الأساسي للجمعية؟ ثم كيف يمكن أن يعود رئيس سبق أن أعلن استقالته إلى الرئاسة من جديد؟
أسئلة كثيرة، والجواب عنها لا ينبغي أن يكون بالبيانات المضادة أو الاتهامات المتبادلة، وإنما بوثائق الجمعية، ولائحة المنخرطين، ومحاضر الجمع العام، والقانون الأساسي، وما ستقرره السلطات المختصة والقضاء في حال عرض النزاع عليه. لأن ملف دار الطالبة والنقل المدرسي بأولاد الطيب لم يغلق بعد، بل يبدو أن الجمع العام الأخير فتح فصلا جديدا منه.
شارك المقال























Leave a Reply