رصد المغرب/ عبد العالي بريك /
بداية، لا أحد يعارض تنظيم مهنة الصحافة، ولا احترام القوانين المنظمة لها، ولا أهمية التكوين الأكاديمي والبطاقة المهنية في إثبات الصفة المهنية وفق الشروط القانونية المعمول بها. لكن ما نرفضه بشدة هو أن يتحول النقاش حول البطاقة المهنية إلى وسيلة للاستهزاء بالمراسلين والمصورين الصحفيين، والتشكيك في كفاءتهم، والنيل من كرامتهم الإنسانية، وإصدار أحكام تعميمية عليهم وكأنهم جميعا متطفلون على المهنة. وهنا يطرح سؤالا جوهريا، وهو هل غياب الشهادة أو البطاقة المهنية يعني بالضرورة غياب الكفاءة والخبرة والمسؤولية؟
إذا اعتمدنا هذا المنطق الإقصائي في جميع القطاعات، فكم من شاب وشابة سنقصي من سوق الشغل؟ وكم من أسرة سنحرمها من مورد رزق، ولو كان محدودا؟ وكم من شخص يشتغل بجد وإخلاص سنعتبره غير مؤهل لمجرد أنه لا يتوفر على شهادة متخصصة أو بطاقة مهنية؟
هل سنطالب بطرد كل حارس أمن خاص لا يتوفر على شهادة مهنية متخصصة؟ وماذا عن حراس العمارات والحراس الليليين؟ وماذا عن العاملين في المقاهي والمقشدات، وفي قطاعات الصناعات التقليدية والفلاحة ومهن أخرى كثيرة، حيث يكتسب عدد كبير من الأشخاص خبرتهم من الممارسة والتجربة الميدانية، وليس بالضرورة من الشهادات الأكاديمية؟
وهل يمكن أن نطالب جميع هؤلاء بمغادرة أعمالهم لمجرد أنهم لم يحصلوا على شهادة متخصصة، دون التفكير في سنوات الخبرة التي راكموها، أو في مسؤولياتهم الأسرية، أو في حقهم في العمل والعيش الكريم؟
إننا لا نقارن بين المهن من حيث طبيعتها أو شروطها القانونية، وإنما نرفض منطق احتقار الإنسان بسبب غياب شهادة أو وثيقة، ونؤكد أن لكل قطاع خصوصيته، وأن احترام شروط الولوج إليه ينبغي أن يقترن بفتح أبواب التكوين والتأهيل، لا بالإهانة والتشهير. والمراسل الصحفي ليس استثناء من هذه القاعدة الإنسانية والاجتماعية.
ومن بين المراسلين والمصورين الميدانيين من يتوفرون على مستويات تعليمية مهمة، ومن راكموا تجارب مهنية طويلة، ومن ينتجون محتويات إعلامية ذات جودة عالية، تحظى بمتابعة المواطنين، وتلقى تفاعلا من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وتساهم في كشف الاختلالات ونقل انشغالات الساكنة وتسليط الضوء على قضايا إنسانية واجتماعية ووطنية.
وكذلك منهم من يعرف كيف يبحث عن المعلومة، ويتحقق منها، ويصوغها بطريقة مسؤولة، ويمرر الرسالة الهادفة دون إساءة أو تشهير، ويساهم في تحريك ملفات ظلت عالقة، وفي إيصال صوت المواطن إلى الجهات المعنية.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن حمل البطاقة المهنية لا يعفي أي صحفي من ضرورة تطوير كفاءاته واحترام أخلاقيات المهنة، مثلما أن غيابها لا يبرر إصدار حكم مسبق بانعدام الكفاءة لدى كل من لا يتوفر عليها. لأن المعيار المهني الحقيقي يجمع بين التأهيل القانوني والتكوين والكفاءة والممارسة المسؤولة.
إن المراسلين والمصورين هم الذين يتكبدون عناء التنقل إلى المناطق البعيدة، والوقوف لساعات طويلة، والعمل في ظروف مناخية واجتماعية صعبة، وأحيانا المخاطرة بسلامتهم من أجل إيصال الصوت والصورة إلى الرأي العام في أسرع وقت ممكن. وهم في كثير من الأحيان حلقة وصل بين المواطن والمؤسسات، ينقلون المطالب والشكايات، ويتابعون قضايا الماء والكهرباء والصحة والتعليم والسكن والتهميش، ويمنحون الكلمة لمن لا يجدون منبرا يعبرون من خلاله عن معاناتهم.
وكم من ملف اجتماعي أو إنساني تحرك بعد نشر مادة إعلامية ميدانية، وكم من معاناة خرجت من دائرة الصمت بفضل مراسل لم تكن لديه إمكانات مؤسسة إعلامية كبرى، لكنه كان يمتلك الإرادة والإحساس بالمسؤولية والقدرة على التواصل مع الناس. أليس هذا عملا يستحق التقدير والتأطير، عوض السخرية والانتقاص؟
ثم لنتحدث بصراحة عن الجانب الاجتماعي. هناك مراسلون ومصورون يلجؤون إلى العمل الإعلامي الميداني في ظل البطالة وقلة فرص الشغل، فيجدون فيه مجالا لاستثمار وقتهم، وتطوير مهاراتهم، وخدمة مجتمعهم، ومحاولة توفير مورد رزق يساعدهم على إعالة أنفسهم وأسرهم، ولو لم يكن كافيا لتأمين أبسط شروط العيش الكريم.
نعم، العمل في هذا المجال اختياري وليس إجباريا، ولا أحد يملك الحق في فرض العمل المجاني على المراسلين. لكن هذا الاختيار لا يلغي حقهم في الاحترام، ولا يمنعنا من مناقشة واقع الاستغلال والهشاشة، ولا يعفي المؤسسات التي تستفيد من مجهوداتهم من مسؤوليتها الأخلاقية والمهنية تجاههم.
وبدل أن نكتفي بالمطالبة بإقصاء آلاف الشباب والشابات الذين يشتغلون في هذا المجال، لماذا لا نطالب بإيجاد حلول واقعية لتقنين وضعيتهم، وتوفير التكوين اللازم لهم، وفتح مسارات واضحة أمام المؤهلين منهم للحصول على الصفة المهنية وفق القانون؟ ولماذا لا نوجه النقاش نحو المقاولات الإعلامية التي تستفيد من عمل مراسليها ومصوريها، وتنتظر منهم التغطيات والتنقلات والمجهودات، دون أن توفر لهم في بعض الحالات تعويضا مناسبا أو عقدا واضحا أو حماية اجتماعية؟
إننا نحترم المقاولات الإعلامية النزيهة التي تقدر مراسليها، وتتقاسم معهم أعباء العمل، وتراعي ظروفهم وإمكاناتهم، وتحرص على تكوينهم واستقرارهم المهني. لكننا نعرف أيضا أن واقع القطاع ليس واحدا، وأن لكل مؤسسة ظروفها الخاصة، وأن المسؤولية ينبغي أن توزع بعدل، دون تعميم الاتهامات على الجميع. وأما أن تتحول معاناة المراسل إلى دليل ضده، وأن يصبح افتقاره إلى عقد عمل أو بطاقة مهنية سببا لاحتقاره، بينما لا يطرح السؤال عن الظروف التي جعلته يعمل بهذه الطريقة، فذلك قلب للمشكلة بدل البحث عن حلها.
وإذا كانت المقاولة الإعلامية مطالبة بوضع الثقة في الصحفي الذي تريد تشغيله، فإنها مطالبة أيضا بتحمل مسؤوليتها تجاه من يعملون معها، بدل الاستفادة من مجهوداتهم ثم التنصل من أوضاعهم. ولا بد من التمييز بين من ينتحل صفة صحفي مهني دون سند قانوني، ومن يقدم نفسه بوضوح بصفته مراسلا أو مصورا أو منشئا لمحتوى إعلامي، دون ادعاء صفة لا يملكها. فمحاربة انتحال الصفة واجب، لكن التعميم والتشهير والإهانة ليست وسائل مقبولة لتحقيق هذا الهدف.
كما أن الحديث عن البطاقة المهنية وحقوق الصحفيين وواجباتهم ينبغي أن يستند إلى النصوص القانونية الدقيقة، لا إلى أحكام مطلقة من قبيل أن كل من لا يحملها لا كفاءة له، أو أنه لا يستحق أي احترام. لأن الحقوق والالتزامات تختلف بحسب الصفة والوضعية القانونية، ولا يجوز اختزال القيمة الإنسانية أو التجربة المهنية في وثيقة واحدة.
إننا نريد صحافة قوية، مستقلة، مسؤولة، تحترم القانون وأخلاقيات المهنة، ونريد مؤسسات إعلامية تحترم العاملين معها، ونريد كذلك أن يجد الشباب والشابات مسارات حقيقية للتكوين والإدماج المهني، بدل دفعهم إلى الهامش ثم اتهامهم بأنهم عبء على القطاع أو على المجتمع.
إن المراسل الصحفي، مهما كانت وضعيته القانونية، يظل إنسانا له كرامته وحقوقه الاجتماعية، وقد يكون معيل أسرة، وأبا أو أما لأطفال يحتاجون إلى متطلبات الحياة. ولا يجوز أن تتحول هشاشته المادية إلى مادة للاستهزاء أو وسيلة للحط من قيمته. لأن الكفاءة لا تختزل في الشهادات وحدها، كما أن الخبرة الميدانية لا تعفي من ضرورة التأهيل واحترام القانون. والمواقف المهنية، والأخلاق، والمصداقية، والتحقق من الأخبار، والشعور بالمسؤولية، كلها عناصر أساسية في بناء صحافة تحترم نفسها وتحظى بثقة المجتمع.
وإذا كنا نطالب بدولة اجتماعية، فعلينا أن ندافع عن تكافؤ الفرص، وعن الكرامة الإنسانية، وعن الحق في التأهيل والعمل، وأن نرفض كل خطاب يجعل من الفقر أو البطالة أو غياب وثيقة مهنية مبررا لإذلال الإنسان.
فبدل البحث عن قانون يقصي آلاف الشباب والشابات من مصدر عيشهم النسبي، فلنطالب بتطوير الإطار القانوني، وتقنين العلاقات المهنية، وإلزام المقاولات بما يترتب عليها من مسؤوليات، وتوفير التكوين المستمر، وإيجاد آليات منصفة للاعتراف بالكفاءات والخبرات المستوفية للشروط المطلوبة.
إن إصلاح قطاع الصحافة لا يبدأ باحتقار المراسلين، بل بالاعتراف بمشكلاتهم، ومعالجة أسباب الهشاشة، ومحاربة الاستغلال وانتحال الصفة في الوقت نفسه، دون انتقاص من كرامة أحد. ونقول لمن يعتقد أن البطاقة وحدها تمنحه الحق في تقييم الآخرين والحكم على كفاءاتهم: احترم الوثيقة التي تحملها، واحترم في الوقت نفسه الإنسان الذي يقف في الميدان من أجل نقل الحقيقة. فالمهنية ليست امتيازا للتعالي على الآخرين، بل مسؤولية وأخلاق والتزام. فكم من حامل لشهادة عليا يفتقر إلى الخبرة العملية، وكم من شخص لم تتح له ظروف الحياة فرصة الدراسة والتكوين، لكنه اكتسب من التجربة والممارسة ما يستحق التقدير، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن الشروط القانونية المطلوبة في كل مهنة.
«لا تحتقرن صغيرة، فإن الجبال من الحصى» والصحافة التي نريدها ليست صحافة إقصاء واحتقار، بل صحافة كرامة ومصداقية وتضامن، تصون حقوق المهنيين، وتفتح أبواب التأهيل أمام المراسلين والمصورين، وتضع مصلحة المواطن والحقيقة فوق كل اعتبار. كما يقال ” يوجد في النهر مالايوجد في البحر “
شارك المقال























Leave a Reply