رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /
في سلا، يبدو أن الإهمال لم يعد يتوقف عند حدود الأحياء، بل امتد حتى إلى الأموات. حيث هناك في مكان شبه مهجور ومهمول، توجد قبور متراصة، ومساحات تضيق بمن يرقدون في صمت، ومقابر باتت تختنق من فرط الاكتظاظ، فيما تتعاقب المجالس المنتخبة وتتعاقب معها الوعود، دون أن تجد هذه القضية طريقها إلى حل يليق بمدينة بحجم سلا وسكانها.
وربما تكمن المفارقة الأكثر قسوة في أن المقابر لا تضم ناخبين. لا أحد من الراقدين فيها سيشارك في الانتخابات، ولا أحد منهم سيحتج، ولا أحد سيطالب بمقعد أو منصب أو امتياز. بل إنهم فقط أولئك الذين سبقونا، وانتهت علاقتهم بصخب الحياة ومساوماتها، ولم يبق لهم سوى حق بسيط، وهو أن يرقدوا في كرامة. لكن حتى هذا الحق البسيط يبدو أنه أصبح مؤجلا.
علينا أن ننظر خلف جدران المقابر، وأن نرى ما لا يريد البعض رؤيته. فالمقبرة ليست مجرد مساحة لدفن الموتى، بل مرآة تكشف درجة احترام المدينة لإنسانها، حيا وميتا. وحين تضيق المقابر بموتاها، فالمشكلة لا تعود تقنية أو عقارية فقط، وإنما تصبح عنوانا على اختلال في ترتيب الأولويات وعلى غياب رؤية استباقية لمرفق لا يمكن لأي مدينة أن تستغني عنه.
لسنوات تعاقبت المجالس على تدبير شؤون سلا، لكن ملف المقابر ظل يبدو وكأنه قضية مؤجلة إلى أجل غير مسمى. كلما اتسعت المدينة وارتفع عدد سكانها، كان يفترض أن تتقدم الحلول قبل أن يصل الوضع إلى مرحلة الاختناق. غير أن الواقع يقول شيئاً آخر، وهي أزمة تتفاقم، ومساحات تضيق، وأسئلة تتكاثر، فيما الحل غائب أو متأخر.
والأخطر من ذلك أن ملفا بهذه الحساسية الإنسانية لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة للمزايدات أو أن يبقى رهين الحسابات الانتخابية والمصالح الضيقة. الموت لا ينتظر دورة انتخابية، ولا يملك أهالي الموتى ترف الانتظار حتى تنتهي الحسابات السياسية. بل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ليس فقط لماذا تأخر إيجاد أرض جديدة تليق بدفن موتى سلا؟ بل أيضا لماذا لم تتحول هذه القضية إلى أولوية فعلية لدى المجالس التي تعاقبت على المدينة؟
إن احترام الموتى ليس ترفا، ولا مشروعا انتخابيا موسميا، ولا مناسبة لالتقاط الصور وتوزيع الوعود. إنه أبسط تعبير عن احترام الإنسان، وهو واجب أخلاقي ومؤسساتي لا يحتاج إلى حملة انتخابية حتى يكتشف.
وأما أن تتذكر بعض الوجوه مشاكل المواطنين عندما تقترب صناديق الاقتراع، ثم تختفي هذه المشاكل من جدول الأولويات بمجرد انتهاء الاستحقاق، فتلك هي السياسة التي فقدت معناها وتحولت إلى سباق نحو الأصوات والمواقع والنفوذ.
فماذا تفيد البرامج الانتخابية البراقة إذا كانت المدينة عاجزة حتى عن توفير فضاءات تليق بدفن موتاها؟ وما قيمة الوعود الكبرى إذا كانت قضايا أساسية وحساسة كهذه ظلت عالقة بين المجالس والملفات والإجراءات؟ فمدينة سلا لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات. بل تحتاج إلى قرارات. ولا تحتاج مقابرها إلى خطابات انتخابية، بل إلى أرض محترمة، وتجهيز لائق، وتدبير مسؤول، ورؤية تضع كرامة الإنسان فوق الحسابات الانتخابية.
إن الذين يرقدون خلف أسوار المقابر لن يطالبوا بشيء، ولن يرفعوا أصواتهم، ولن يطرقوا أبواب المنتخبين. لكن هذا تحديدا هو ما يجعل مسؤولية الأحياء أكبر، وهي أن يدافعوا عن كرامة من لم يعد قادرا على الدفاع عن نفسه.
وإذا كان البعض لا يتحرك إلا حين تكون هناك مصلحة انتخابية أو سياسية، فإن ملف المقابر يجب أن يكون اختبارا حقيقيا لضمير المجالس المنتخبة، فهل تستطيع هذه النخبة أن تفعل شيئا لا يمنحها صوتا انتخابيا واحدا؟ وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يطرح بقوة اليوم في سلا.
شارك المقال





















Leave a Reply