لقجع ينتقد حكومة كان جزءا منها 

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


في لقاء حزبي بمدينة مراكش، اختار فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، توجيه رسائل سياسية مباشرة، منتقدا المسار الحالي للحكومة، ومتحدثا عن أعباء أثقلت كاهل الأسرة المغربية، وعن شباب بات يفكر في الهجرة، داعيا إلى جعل البرامج السياسية مدخلا حقيقيا لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة. لكن خطابه يطرح في المقابل، سؤالا جوهريا يصعب القفز عليه، وهو أليس الرجل نفسه جزءا من الحكومة التي ينتقد مسارها اليوم؟

إن لقجع لم يكن خارج دائرة القرار الحكومي، بل كان في قلبها، باعتباره المسؤول الحكومي المكلف بالميزانية، بما يعنيه ذلك من ارتباط مباشر بتدبير المال العام، والمصادقة على الاعتمادات والبرامج والاختيارات المالية للحكومة. وبالتالي فإن انتقاد حصيلة المرحلة الحالية يضعه، بشكل مباشر، أمام مسؤولية سياسية عن جانب من نتائجها، وعن الأموال التي رصدت وصرفت لتنفيذ سياساتها وبرامجها.

والسؤال هنا ليس موجها ضد شخص لقجع بقدر ما هو سؤال مشروع للرأي العام، و إذا كانت المرحلة الحكومية قد أثقلت كاهل الأسر، ودفعت جزءا من الشباب إلى التفكير في الهجرة، فمن يتحمل مسؤولية هذه الحصيلة؟ ومن كان يملك مفاتيح الميزانية والقرار المالي طوال هذه الفترة؟

والأكثر إثارة للاستغراب أن الخطاب الجديد يأتي في وقت يحاول فيه لقجع تقديم حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره حاملا لرؤية مختلفة، ومستعدا لفتح نقاش واسع حول البرامج الانتخابية ومصادر تمويلها، وكأن الرجل التحق للتو بالمشهد السياسي والتدبيري، وليس جزءا من تجربة حكومية ما تزال قائمة.

أما اللقاء الذي احتضنته مراكش وحضره، وفق ما تم تداوله، حوالي 6000 شخص، فإنه بدوره يفتح أسئلة أخرى، وهو من هم هؤلاء الحاضرون؟ وهل يمثلون فعلا سكان الحوز الذين ما زالت آثار الزلزال تثقل حياتهم؟ وهل بينهم من فقدوا منازلهم أو هجروا منها؟ وهل تعكس هذه الحشود واقع المواطنين الذين ما زالوا ينتظرون حلولا ملموسة لمشاكلهم، أم أنها مجرد تعبئة حزبية لا ينبغي الخلط بينها وبين النبض الحقيقي للشارع؟

وفي الوقت الذي استحضر فيه لقجع النتائج وتحدث عن دور حزب الأصالة والمعاصرة في تحقيقها، تبقى ملفات تدبيرية وسياسية عديدة مطروحة للنقاش والمساءلة، من بينها تدبير المجالس المنتخبة والاختيارات التي اتخذت في عدد من المناطق، وما رافق بعضها من انتقادات واحتجاجات، دون أن تحسم كل الأسئلة التي يطرحها الرأي العام حول المسؤوليات السياسية والتدبيرية.

والأمر نفسه ينطبق على الخطاب المتعلق بالبرامج الاجتماعية والاقتصادية. فقد تحدث لقجع عن طموح حزبه لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، كما تحدث عن رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم بدل 500 درهم، وهي وعود تطرح بالضرورة سؤالا أساسيا حول مصادر تمويلها ومدى قابليتها للتنفيذ واستدامتها المالية.

فمن السهل إطلاق الأرقام والوعود أمام الجماهير، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في الإجابة عن السؤال الذي ينتظر المغاربة سماعه، وهو من أين ستأتي الأموال؟ وكيف ستمول هذه الالتزامات دون أن تتحول إلى عبء إضافي على المالية العمومية وجيوب المواطنين؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحا حين يصدر عن وزير يوجد في قلب منظومة الميزانية، ويتحدث عن موارد واعتمادات ضخمة مخصصة لمختلف القطاعات وبرامج التنمية، فيما ينتظر المواطن نتائج ملموسة تنعكس على معيشته اليومية.

ولعل ملف استيراد المواشي، وما أصبح يعرف إعلاميا بقضية “الفراقشية”، يمثل نموذجا صارخا للأسئلة التي ما تزال مطروحة حول نجاعة بعض الاختيارات الحكومية. فقد سبق أن أقر لقجع، خلال مناقشات برلمانية، بأن المخطط المرتبط بهذا الملف كلف أموالا طائلة ولم يحقق النتائج المنتظرة. وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت الخطابات الانتخابية، وهو من يتحمل المسؤولية السياسية عن البرامج التي تصرف عليها أموال عمومية طائلة ثم ينتهي بها الأمر إلى الفشل؟ وهل يكفي الاعتراف بفشل مخطط كلف خزينة الدولة مبالغ كبيرة، أم أن الأمر يستوجب تقييما سياسيا ومؤسساتيا واضحا، وتحديدا للمسؤوليات، وربطا فعليا بين المسؤولية والمحاسبة؟

واللافت أن لقجع نفسه عاد لينتقد المسار المعتمد خلال الفترة الحالية، رغم أنه كان أحد أبرز مكونات هذا المسار ومحوره المالي، معتبرا أن الوضع جعل تدبير مصاريف الأسرة المغربية أكثر صعوبة، وأسهم في دفع الشباب نحو التفكير في الهجرة. لكن هذا الكلام يعيدنا مرة أخرى إلى السؤال نفسه، وهو إذا كان المسار خاطئا، فلماذا لم يتم تصحيحه حين كان لقجع في موقع القرار؟ وإذا كانت الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية غير قادرة على إنتاج النتائج المطلوبة، فأين كانت أدوات التصحيح التي يفترض أن توفرها وزارة الميزانية؟

لقجع تحدث كذلك عن ضرورة بناء اختيارات جديدة قادرة على توفير الكرامة وفرص الشغل وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وهي أهداف لا يختلف حولها مغربيان. غير أن الإشكال يكمن في أن الرجل كان يمتلك، خلال وجوده في الحكومة، جزءا كبيرا من الأدوات المالية التي يفترض أن تساعد على تحقيق هذه الأهداف. فكيف يطلب من المواطن اليوم أن يثق بوعود جديدة، بينما لم يحصل بعد على جواب مقنع حول نتائج الاختيارات السابقة؟

والأكثر إثارة للانتباه أن القيادي الجديد الذي نزل بمظلة مباركة في حزب الأصالة والمعاصرة تحدث عن ضرورة ربط المشاركة السياسية بصناعة حاضر المغرب ومستقبله، بعيدا عن الصراعات المرتبطة بالمناصب وتوزيع المكاسب السياسية، متناسيا أن الانتقال من موقع المسؤولية الحكومية إلى موقع تقديم الوعود السياسية يفرض قبل كل شيء، تقديم حصيلة واضحة لما تحقق خلال فترة تحمل المسؤولية.

كما أن الحديث عن العزوف السياسي ونفور الشباب من العمل السياسي يظل ناقصا ما لم تتم مساءلة الأسباب التي جعلت المواطن يفقد ثقته في الخطاب السياسي، خصوصا عندما يرى مسؤولين شاركوا في التدبير لسنوات يعودون إلى المعارضة الانتخابية أو الخطاب الانتقادي، وكأنهم لم يكونوا طرفا في القرارات التي ينتقدون نتائجها اليوم.

أما حديث لقجع عن استعداد حزب الأصالة والمعاصرة، منذ البداية، لفتح نقاش حول برنامجه الانتخابي ومصادر تمويله، فيبدو بدوره مثيرا للاستغراب، خصوصا أن هذا الخطاب يأتي في مرحلة سياسية جديدة، بينما كان الحزب جزءا من المشهد السياسي والحكومي ولم يكن هذا الانفتاح، بهذا الوضوح، حاضرا في السابق. فسبحان مبدل الأحوال، فما كان بالأمس غير مطروح للنقاش أصبح اليوم عنوانا للانفتاح والاستعداد للحوار.

وفي ما يتعلق بالمقترحات الاجتماعية، انتقد لقجع ما وصفه بالمزايدات السياسية، داعيا إلى التعامل بإيجابية مع كل فكرة مدروسة وقابلة للتطبيق، حتى لو اختارت الحكومة الاستفادة منها وتنزيلها قبل موعد الاقتراع. وهنا أيضا يطرح المواطن سؤالا بسيطا، وهو إذا كانت بعض المقترحات مفيدة وقابلة للتطبيق، فلماذا الانتظار إلى مرحلة ما قبل الانتخابات؟ ولماذا لا يتم تنزيلها حين تكون الحكومة في موقع المسؤولية، وتكون أدوات التمويل والقرار متاحة؟

إن الرهان الحقيقي كما قال لقجع، هو بناء مغرب يوفر الكرامة ويرفع معدلات النمو ويعالج البطالة. غير أن هذه الأهداف نفسها تصطدم بحقيقة أن البطالة ارتفعت خلال الفترة التي كان فيها الرجل جزءا أساسيا من الفريق الحكومي، كما أن بعض البرامج التي ينتقد آثارها اليوم كانت تحت إشراف الحكومة التي كان أحد أركانها. وفي النهاية، فإن المغاربة لا يحتاجون إلى المزيد من الوعود بقدر حاجتهم إلى كشف الحساب.

لا يحتاج المواطن إلى من يقول له إن الوضع صعب، فهو يعيش الصعوبة يوميا، ولا يحتاج إلى من يخبره بأن الشباب يفكر في الهجرة، فالشباب نفسه يقول ذلك. ولا يحتاج إلى وعود جديدة برفع الأجور والدعم، بل يريد أن يعرف كيف ستمول، ومتى ستنفذ، ومن سيحاسب إذا لم تحقق أهدافها. لأن السيد لقجع كان في موقع يسمح له بالتأثير في السياسات المالية والبرامج الحكومية، وبالتالي فإن انتقاده للحصيلة اليوم لا يمكن فصله عن مسؤوليته السياسية عن المرحلة التي ينتقدها. وأما تقديم الوعود الجديدة باعتبارها مشروعا مستقبليا، دون تقديم تقييم صريح وشفاف لما تحقق في المرحلة السابقة، فلن يكون كافيا لإعادة بناء الثقة.

إن الانتخابات ليست مناسبة لإعادة كتابة الماضي، والسياسة ليست مجرد أرقام ووعود وشعارات، بل إنها مسؤولية، والمسؤولية تقتضي المحاسبة قبل طلب ولاية جديدة. وإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة يريد إقناع المغاربة بأنه قادر على صناعة مستقبل أفضل، فعليه أولا أن يجيب بوضوح عن سؤال بسيط، وهو ماذا فعل حين كان يملك القرار؟ ولماذا لم تتحقق النتائج التي يعد بها اليوم؟ بل الجواب الصحيح هو أن وزيرهم ساهم في تشريع قوانين لا علاقة لها بالدستور، والأنكى من ذلك زادت ثرواتهم.

وأما المواطن، فقد زاد فقرا، وثقل كاهله بمصاريف لا قبل له بها، بل هناك من أصبح مشردا، وبذلك يمكن القول بأنه، ربما تعلم من التجارب السابقة أن الوعود شيء، والتدبير شيء آخر، وأن من يطلب ثقته من جديد عليه أولا أن يقدم له حسابا واضحا عن الأمس، قبل أن يطلب منه تصديق وعود الغد.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *