من خصومة المنصات إلى مائدة المشاورات. ماذا بقي من كلام الأمس؟

رصد المغرب / مراد مجاهد /


قبل أن نغوص في بحر التحالفات ونبدأ في تركيب الحكومة على الورق، وقبل أن نوزع الحقائب ونرسم السيناريوهات وكأن المشاورات قد انتهت قبل أن تبدأ، هناك محطة دستورية لا يمكن تجاوزها، لأن تشكيل الحكومة في المغرب لا يبدأ من حسابات الصحافة ولا من تمنيات المتابعين، وإنما من الفصل 47 من الدستور الذي ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ثم يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ومعنى ذلك أن تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات بـ97 مقعداً يمنحه موقع الانطلاق في المسار الدستوري، لكنه لا يمنحه أغلبية جاهزة في جيبه، فبعد التعيين تبدأ الرحلة الأصعب: البحث عن الأغلبية وتركيب حكومة تستطيع أن تعيش سياسياً وبرلمانياً، وهنا تحديداً تنتهي لغة الصناديق وتبدأ لغة المشاورات.

والأرقام التي خرجت بها انتخابات 23 شتنبر تضع أمامنا خريطة تستحق التأمل: الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54، ثم الحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، وفق النتائج المؤقتة المعلنة. هذه الأرقام لا تشكل حكومة في حد ذاتها، لكنها تكشف أن الطريق إلى الأغلبية ليس طريقاً واحداً، وأن الحزب المتصدر سيجد أمامه أكثر من باب، وكل باب له ثمنه السياسي وحسابه الخاص.

الحساب الأول يبدو بسيطاً إلى درجة أنه يطرح السؤال قبل أن يطرح الجواب: الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال يملكون مجتمعين 228 مقعداً، أي أكثر من الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً. بمعنى آخر، فإن إعادة تركيب تحالف الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية السابقة تظل ممكنة حسابياً، لكن السياسة ليست جدولاً للجمع والطرح، والورقة التي تبدو سهلة على الآلة الحاسبة قد تصبح ثقيلة جداً عندما توضع فوق طاولة المشاورات، خصوصاً بعد أسابيع من المنافسة الانتخابية الحادة وتبادل الرسائل والمواقف بين الأحزاب.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لأن السؤال لم يعد فقط: من يملك المقاعد؟ بل أصبح: من يستطيع أن يجلس إلى جانب من؟ وهل ستظل المسافات التي رسمتها الحملة الانتخابية قائمة بعد أن قالت الصناديق كلمتها، أم ستعيد المشاورات رسم الخريطة من جديد؟ فالأصالة والمعاصرة، باعتباره الحزب المتصدر، لا يحتاج بالضرورة إلى التجمع الوطني للأحرار حتى يبلغ الأغلبية، ولا يحتاج كذلك إلى العدالة والتنمية. فهناك، على سبيل المثال، تركيبة تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية، وتصل حسابياً إلى 217 مقعداً، وإذا أضيف التقدم والاشتراكية يصبح المجموع 236 مقعداً. لا يعني هذا أن هذه التركيبة ستتشكل، ولا أنها مطروحة بالضرورة على طاولة المفاوضات، وإنما يعني شيئاً واحداً: الحساب السياسي أوسع من صيغة واحدة، والأغلبية يمكن أن تُبنى بأكثر من هندسة.

لكن وسط هذه الهندسة كلها، توجد ورقة مختلفة عن بقية الأوراق: ورقة العدالة والتنمية. فقد عاد الحزب إلى مجلس النواب بـ54 مقعداً بعد حصوله على 13 مقعداً في انتخابات 2021، وهو ما يجعله رقماً سياسياً حاضراً بقوة في الخريطة الجديدة. غير أن المسألة هنا لا تتعلق فقط بعدد المقاعد، وإنما بما تركته الحملة الانتخابية من مواقف وخطابات قد تجعل بعض التركيبات أكثر تعقيداً سياسياً من غيرها.

وعندما نتحدث عن العدالة والتنمية، يصعب تجاهل عبد الإله بنكيران، لا لأننا نريد أن نتنبأ بما سيفعله، وإنما لأن الرجل نفسه جعل العلاقة مع الأصالة والمعاصرة جزءاً بارزاً من خطابه الانتخابي. فقد صدرت عنه خلال الحملة تصريحات شديدة اللهجة تجاه الحزب، من بينها تصريحات قال فيها إن الأصالة والمعاصرة لا يصلح للمغرب حتى لو حصل على البرلمان كله، كما صدرت عنه، في سياق السجال السياسي، عبارات واتهامات تتعلق بالفساد والمخدرات. ونحن هنا لا نتبنى تلك الاتهامات ولا نقدمها كوقائع ثابتة، وإنما نشير إلى تصريحات سياسية منشورة صدرت في إطار حملة انتخابية.

وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي تستحق أن توضع تحت الضوء: من الناحية الحسابية يمكن تصور أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، لكن من الناحية السياسية سيطرح أي تقارب من هذا النوع سؤالاً مشروعاً على بنكيران وحزبه: كيف يمكن الانتقال من خطاب انتخابي بهذه الحدة تجاه حزب بعينه إلى الجلوس معه حول طاولة حكومية واحدة؟ لا أقول إن ذلك مستحيل، ولا أقول إن بنكيران سيفعل ذلك، فالتحالفات قرار سياسي تحسمه المؤسسات الحزبية والمشاورات والظروف التي تفرزها النتائج، لكن كلما كانت لغة الخصومة أكثر حدة، أصبحت الحاجة إلى تفسير التحول أكبر. والسياسة تعرف التفاوض، نعم، وتعرف التسويات، وتعرف انتقال الخصم إلى موقع الشريك، لكن المواطن أيضاً يعرف الذاكرة، ولا يمكن أن نطلب منه أن ينسى ما سمعه بالأمس بمجرد أن يسمع غداً عبارة «المصلحة الوطنية».

وهنا لا يتعلق الأمر بالعدالة والتنمية وحده، فالمسألة أوسع من حزب أو شخص. ماذا سيحدث لكل الخطابات التي سمعناها خلال الحملة؟ هل ستتحول إلى مواقف حكومية إذا انتقلت الأحزاب من المنافسة إلى الشراكة؟ وهل ستبقى الانتقادات التي وجهت إلى بعض السياسات حاضرة في البرامج الحكومية المقبلة؟ أم أن المشاورات ستخلق لغة جديدة، عنوانها التوافق، وستضع لغة الحملة في رف الذكريات السياسية؟

لا أحد يستطيع أن يجيب الآن، لأن المشاورات لم تبدأ بعد ولم تقل كلمتها الأخيرة، وربما لن تكون الصيغة التي تبدو منطقية اليوم هي نفسها التي ستخرج إلى الوجود غداً. وقد يختار الأصالة والمعاصرة العودة إلى الأحرار والاستقلال، وقد يبحث عن أغلبية أخرى، وقد تدخل أحزاب إضافية في التركيبة، وقد يبقى العدالة والتنمية في المعارضة، وقد تظهر صيغة لم تكن في حساب كثير من المتابعين. كل ذلك يبقى رهيناً بالمفاوضات والقرارات الحزبية، وليس من حق التحليل الصحفي أن يحول الاحتمال إلى حقيقة.

لكن ما يمكن قوله الآن هو أن نتائج الانتخابات وضعت الجميع أمام امتحان مزدوج: امتحان الأرقام وامتحان الذاكرة. الأرقام تقول إن الأغلبية ممكنة بأكثر من صيغة، أما الذاكرة فتحتفظ بكل ما قيل خلال الحملة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيشكل الحكومة؟ بل: كيف سيشرح أصحاب القرار للمواطن الطريق الذي اختاروه إليها؟

فإذا اجتمع غداً من كانوا بالأمس خصوماً حول طاولة واحدة، فهذا ليس في حد ذاته أمراً غير مشروع، لأن التحالفات جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، لكن المواطن من حقه أن يعرف ما الذي تغير، وما الذي جعل الخلاف قابلاً للتدبير، وما الذي جعل الشراكة ممكنة، وما هي البرامج والأولويات التي ستجمع هؤلاء المختلفين. وإذا بقيت الخصومة، فمن حقه أن يعرف أيضاً لماذا تعذر الاتفاق. وفي الحالتين، التفسير جزء من المسؤولية السياسية.

وربما هنا تكمن المفارقة الأكبر في هذه الانتخابات: ثلاثة أحزاب كانت مكونات أغلبية واحدة في الحكومة السابقة تستطيع أرقامها اليوم أن تعيدها إلى الطاولة نفسها بأغلبية مريحة، بينما يستطيع الحزب المتصدر، حسابياً، أن يبحث عن تركيبة أخرى لا تضم الأحرار ولا العدالة والتنمية. وبين هذين الخيارين توجد مساحات واسعة من السياسة، وهناك فقط ستظهر حقيقة المشهد.

لقد انتهى زمن المنصات الانتخابية، وبدأ زمن المشاورات. انتهى زمن «نحن وهم» وبدأ زمن السؤال: «من معنا؟». انتهت المهرجانات، وبقيت الأرقام. انتهت التصريحات، وبقيت الذاكرة. والآن لم يعد المواطن ينتظر خطاباً جديداً بقدر ما ينتظر أن يرى كيف سيتصرف السياسيون أمام ما قالوه هم أنفسهم بالأمس.

قد تتغير التحالفات، وهذا طبيعي. قد تتغير المواقف، وهذا وارد. وقد يفرض الواقع السياسي تسويات لم تكن متوقعة، وهذا جزء من الديمقراطية التوافقية. لكن الذي لا ينبغي أن يتغير هو حق المواطن في أن يفهم. فإذا كانت الخصومة انتخابية، فليُقل ذلك بوضوح، وإذا كان الاختلاف سيستمر داخل الحكومة، فليظهر في البرامج والمواقف، وإذا تحول الخصم إلى شريك، فليشرح الشركاء لماذا أصبح ذلك ممكناً.

لأن الصناديق لا تمنح السياسيين فقط مقاعد في البرلمان، بل تمنحهم أيضاً مسؤولية أمام ذاكرة من وضع ورقته في الصندوق. وهذه الذاكرة لا تتوقف عند إعلان النتائج. إنها تنتقل معهم إلى طاولة المشاورات، وتجلس معهم في الصف الأول، وتنتظر الجواب عن سؤال واحد لا يحتاج إلى أغلبية ولا إلى مفاوضات طويلة: ماذا بقي من كلام الأمس عندما بدأت حسابات الغد؟

وربما تكون هذه هي المفارقة التي ستمنح مرحلة تشكيل الحكومة عنوانها الحقيقي: لم يعد السؤال من انتصر في الانتخابات، فقد قالت الصناديق كلمتها، وإنما السؤال الآن هو من سيستطيع أن يحول انتصاره الانتخابي إلى أغلبية، وأغلبيته إلى حكومة، وحكومته إلى انسجام، من دون أن يضطر إلى محو ذاكرة المواطن أو إعادة كتابة ما قاله بالأمس.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *