رصد المغرب / عبدالله بوشريط /
تتواصل المؤشرات المشجعة بشأن الإمكانات الغازية التي تختزنها منطقة جرسيف، في تطور جديد يعزز الآمال بإمكانية توسيع الإنتاج الوطني من الغاز الطبيعي وتقليص الاعتماد على الواردات الطاقية. حيث في هذا السياق، أعلنت شركة «بريداتور للنفط والغاز» استكمال عمليات حفر البئر MOU-6 على عمق 950 مترا، لتدخل بذلك مرحلة جديدة تتمثل في إجراء الاختبارات التقنية الرامية إلى تقييم القدرة الفعلية للمكمن على إنتاج الغاز.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة، بالنظر إلى دورها في تحديد مدى قابلية الموارد المكتشفة للاستغلال، بعيدا عن الاكتفاء بالمؤشرات الجيولوجية الأولية. لأن استكمال عمليات الحفر يشكل خطوة متقدمة في مسار الاستكشاف، غير أن الحسم في الجدوى الاقتصادية للمشروع يظل رهينا بالنتائج التي ستسفر عنها اختبارات الإنتاج.
وتشير المعطيات الأولية إلى تسجيل نتائج مشجعة على مستوى البئر MOU-6، الذي أظهر سماكة صخرية بلغت 21.2 مترا في الجزء العلوي من الهدف الرئيسي، مقابل 13.2 مترا في البئر المجاور MOU-3. حيث يعكس هذا الفارق تحسنا في المؤشرات الجيولوجية المسجلة، بالتزامن مع إدخال تعديلات تقنية على عمليات الحفر، ساهمت في تحسين جودة العينات والقياسات.
ورغم أهمية هذه النتائج، فإنها لا تعني بالضرورة أن البئر قادر على إنتاج الغاز بمعدلات تجارية، إذ لم يتم إلى حدود هذه المرحلة تحديد معدل تدفق يثبت الجدوى الاقتصادية للاستغلال. ولذلك تظل الاختبارات المقبلة حاسمة في تحديد حجم الغاز الذي يمكن استخراجه فعليا، ومعدلات الإنتاج الممكنة، والتكاليف المرتبطة بتطوير الحقل.
وتقدر الموارد المحتملة للمشروع بنحو 164 مليار قدم مكعب من الغاز، أي ما يعادل حوالي 4.64 مليارات متر مكعب، وهي أرقام تعكس حجم الإمكانات التي يجري استكشافها في المنطقة. غير أن هذه التقديرات تظل مرتبطة بالموارد المحتملة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها احتياطيات مؤكدة أو كميات جاهزة للاستغلال التجاري، إذ يتطلب بلوغ هذه المرحلة استكمال الدراسات التقنية وإثبات القدرة على استخراج الغاز بصورة مستدامة، فضلا عن التأكد من الجدوى الاقتصادية للمشروع.
وفي حال تأكدت قابلية الحقل للاستغلال التجاري، فقد يشكل غاز جرسيف موردا إضافيا للسوق الوطنية، ويساهم في تلبية جزء من الطلب المحلي على الطاقة، بما يدعم جهود المغرب لتنويع مصادر التزود وتقليص فاتورة الاستيراد. كما يمكن أن يتيح، بحسب طبيعة الغاز المستخرج وشروط معالجته واستعماله، تعويض بعض مصادر الطاقة المستوردة، وتعزيز مساهمة الموارد المحلية في تلبية الحاجيات الوطنية.
ولا تقتصر رهانات الشركة على نتائج البئر MOU-6، إذ تتجه خططها أيضا إلى توسيع نطاق البحث عن موارد أخرى، من خلال التعاون مع شركة «جيو لاين سولوشن» الرومانية، بهدف تحسين توصيف الإمكانات المرتبطة بموارد الغاز غير التقليدي المحتملة، بالاستناد إلى مقارنات جيولوجية مع مكامن في أوروبا الشرقية.
كما تعتزم الشركة التحضير لتعميق البئر MOU-5، من أجل استكشاف الإمكانات المحتملة للهيليوم تحت طبقة الملح، في خطوة قد توسع آفاق البحث لتشمل موارد ذات قيمة صناعية إضافية، إذا أثبتت الدراسات وجود كميات قابلة للاستخراج والاستغلال الاقتصادي.
وفي سياق تمويل هذه العمليات، تسعى الشركة إلى جمع نحو 2.5 مليون جنيه إسترليني إجمالا من خلال إصدار أسهم جديدة، لتوفير الموارد المالية اللازمة لمواصلة الاختبارات والتحضيرات التقنية المرتبطة بمشاريعها في المغرب، بما يعكس استمرار الرهان على الإمكانات التي قد توفرها المنطقة في مجال استكشاف الغاز والموارد المرتبطة به.
وتمنح التطورات المسجلة في جرسيف دفعة جديدة للآمال المرتبطة بتطوير الموارد الغازية المحلية، خصوصا في ظل سعي المغرب إلى تعزيز أمنه الطاقي وتنويع مصادره وتقليص تعرضه لتقلبات الأسواق الدولية. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج فعلي يظل مسارا يتطلب استثمارات إضافية ونتائج تقنية مؤكدة، فضلا عن توافر شروط اقتصادية تسمح باستغلال الموارد بصورة مستدامة ومربحة.
وبين المؤشرات الأولية المشجعة والتحديات المرتبطة بإثبات الجدوى التجارية، تبرز الاختبارات المقبلة باعتبارها المحطة الأكثر حسماً في تحديد مستقبل المشروع. فإذا أثبتت النتائج وجود تدفقات غازية كافية وقابلة للاستغلال المربح، فقد يشكل حقل جرسيف إضافة مهمة إلى الموارد الطاقية الوطنية، ويفتح الباب أمام آفاق جديدة في مجال الاستكشاف والإنتاج.
وفي انتظار نتائج الاختبارات، يبقى التفاؤل بإمكانات جرسيف مرتبطا بمدى قدرة المعطيات الجيولوجية على التحول إلى إنتاج فعلي ومستدام. فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بما تختزنه الأرض من موارد محتملة، بل بقدرة الاستثمارات والاختبارات التقنية على تحويل هذه الإمكانات إلى مورد ملموس يدعم أمن الطاقة بالمغرب ويعزز الاعتماد على الموارد الوطنية.
شارك المقال























Leave a Reply