الدين الشعبي والتحرر، لماذا يحتاج اليسار المغربي إلى قراءة جديدة للمقدس؟

رصد المغرب / العلمي الحروني – (المنسق الوطني لتيار اليسار الجديد المتجدد) / 


هل أخطأ اليسار المغربي، ومعه جزء مهم من اليسار العربي، حين اختزل الدين في كونه مجرد أداة للاستلاب والهيمنة، تاركا بذلك المجال مفتوحا أمام التيارات الإسلاموية لتحتكر تمثيل المقدس وتوظيفه سياسيًا؟ أم أن الإشكال لا يكمن في الدين ذاته، بل في كيفية توظيفه: بين دين يتحول إلى إيديولوجيا تبرر الاستبداد وتكرسه، ودين يحمل في وجدان الناس قيما أخلاقية وتحررية يمكن أن تشكل رافعة للنضال من أجل العدالة والكرامة؟

هذه الإشكالية تكتسي أهمية خاصة في مجتمع كالمغرب، حيث لا يزال الدين يشكل أحد أهم المرجعيات المؤسسة للوجدان الجماعي، في الوقت الذي يعاني فيه اليسار من أزمة تواصل مع جزء واسع من قاعدته الاجتماعية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المشروع اليساري والمقدس، بعيدا عن ثنائية الرفض المطلق أو التوظيف الانتهازي.

في هذا السياق، يحاول هذا المقال الربط بين تحليل إيمانويل تود لمراحل تطور الدين (الدين النشط، ودين الزومبي، والدين الصفري)، وبين أطروحة المحور الثامن من أرضية “اليسار الجديد المتجدد” التي تميز بين الدين باعتباره إيديولوجيا للاستلاب، والدين باعتباره حاملا لقيم تحررية قادرة على تعبئة المجتمع في مواجهة الظلم. كما يدافع عن تصور للعلمانية بوصفها فصلا بين السلطتين السياسية والدينية، بما يصون استقلال الدولة ويحمي المقدس من التوظيف السياسي، دون أن يحوله إلى خصم للهوية أو للقيم الروحية للمجتمع.

اليسار أمام سؤال أهمله طويلا

ظل اليسار المغربي، على غرار كثير من اليسار في المجتمعات الإسلامية والعربية خاصة، يتعامل مع الدين من موقعين متطرفين لا ثالث لهما: إما نبذه بوصفه “أفيون الشعوب” ومعرقلا للوعي الطبقي، أو الانسحاب من النقاش خشية الاصطدام بالحساسيات الشعبية، تاركا الساحة كاملة للحركات الإسلامية لتحتكر الحديث باسم الدين وتحوله إلى مشروع سياسي إيديولوجي. النتيجة كانت غربة اليسار عن مجتمع لا يزال الدين فيه مكونا حيا وفاعلا في وجدان غالبية المواطنين.

أرضية “اليسار الجديد المتجدد” تكسر هذه الثنائية العقيمة، وتطرح تمييزا جوهريا: هناك الدين كإيديولوجيا استلابية توظف لتكريس الخضوع، وهناك الدين كـ”يوتوبيا” قادرة على تعبئة القوى الشعبية في وجه الظلم. هذا التمييز النظري، نعتبره مدخلا استراتيجيا لإعادة بناء الجسر المقطوع بين اليسار وقواعده الاجتماعية الطبيعية.

ما يعلمنا إياه تاريخ الأديان

حين يتتبع المؤرخ إيمانويل تود مسار الدين عبر ثلاث مراحل -النشطة، والزومبي، والصفرية- فإنه يكشف حقيقة مهمة: الدين لم يكن يوما مجرد شأن ميتافيزيقي معزول عن الاجتماعي، وإنما كان دائما “المصفوفة” التي تصهر الأفراد المتناثرين في جماعة قادرة على الفعل التاريخي. فحتى أعنف الثورات وأكثرها راديكالية – من رابطات ليغات الفلاحين البوذيين في اليابان المتحالفة مع الرهبان من طائفة “جودو شينشو” والتجار والنبلاء المحليين، وتمكنت من الإطاحة بالحاكم الإقطاعي (دايميو) عام 1488، إلى ثورة كرومويل البروتستانتية التي أطاحت بالنظام الملكي في إنجلترا سنة 1949 إلى الثورة الإيرانية 1979 – انبثقت من رحم ديني قبل أن تتحول إلى مشروع وطني أو اجتماعي. الدين، في لحظات معينة من التاريخ، لم يكن كابحا للتحرر بل كان أداته. حيث لعب الدين أدوارا سياسية متباينة، لكنها تؤكد أنه ظل قادرا على تعبئة الجماعات وصناعة الفعل التاريخي.

هذا الدرس التاريخي يصحح خطأ فادحا وقع فيه اليسار الكلاسيكي حين اختزل كل تدين شعبي في “وعي زائف” يجب تبديده بالتنوير من فوق. فالمواطن المغربي البسيط الذي يتوق إلى العدل، والذي يستمد من قيمه الدينية إحساسا عميقا برفض الظلم وبكرامة الإنسان ورفض احتكار المال والسلطة، ليس بالضرورة أسير وعي زائف. إنه يحمل في وجدانه، دون أن يسميها كذلك، مطالب عدالة اجتماعية تلتقي جوهريا مع مطالب اليسار المثمثلة في محاربة الفساد وإنصاف المستضعفين وكسر تحالف المال بالسلطة. المهمة السياسية إذن ليست إقناعه بالتخلي عن قيمه، وإنما في مصالحة هذه القيم مع مشروع سياسي يترجمها إلى برنامج يساري ملموس للتحرر.

الفخ الذي يجب تجنبه: حين يصادر الدين لصالح الاستبداد

لكن هذا الانفتاح على الدين الشعبي كطاقة تعبئة لا يعني السقوط في النقيض، أي التماهي مع الخطاب الإسلاموي الذي حول الدين – كما تشخص أرضية اليسار الجديد المتجدد بدقة – إلى إيديولوجيا شمولية، والميتافيزيقا إلى مشروع سياسي مغلق يستولي على المجال العام باسم القداسة.

فحين يتحول الدين من ينبوع ومصدر للعدالة إلى أداة لتبرير الهيمنة، أو حين يستخدم لتغطية تحالفات الفساد والاستبداد بغطاء أخلاقي زائف، فإنه يفقد بالضبط ما يجعله قوة تحررية: صلته المباشرة بمعنى الإنصاف. هنا بالتحديد يكمن الفارق الجوهري الذي تصر عليه أرضية اليسار الجديد المتجدد: التعامل مع المسألة الدينية ومن مواقع الهجوم والنقد الفكري لا من موقع الدفاع الأعمى ولا من موقع المصادرة السياسية. اليسار لا يحارب الدين، بل يحارب من يستغل الدين لتكريس الظلم والاستبداد والفساد.

من هنا تأتي أهمية الدفاع عن العلمانية بوصفها فصلا بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، لا نفيا للدين من الحياة العامة. فصل السلطتين ليس عداء للمقدس، بل هو بالضبط ما يحمي المقدس من الابتذال السياسي، ويحمي الدولة في الوقت نفسه من الازدواجية، ازدواجية الفتوى والقانون والتناقض البنيوي الذي عانت منه لعقود. حين تحرر السلطة السياسية من الوصاية الدينية، يتحرر الدين نفسه ليعود إلى موقعه الطبيعي كمصدر للقيم لا كأداة تحكم وتكبيل.

دين حي لا دين زومبي، أفق سياسي لا نوستالجيا

يذكرنا تحليل إمانويل تود، في جانب منه، بتحذير دوركهايم من حالة اللامعيارية (الأنومي). وبأن المجتمعات التي تفقد لإطار مرجعي جماعي حاضن جامع – سواء كان دينيا أو إيديولوجيا أو منظومة قيم مشتركة أو لروابط أخلاقية – لا تصل إلى “تحرر” الفرد العقلاني ولا تنتقل تلقائيًا إلى فضاء أرحب من الحرية والعقلانية، بل تسقط في فراغ اجتماعي ينتج العدمية والتفكك ويفتح الباب إلى سيادة الشعور باللاجدوى محل المعنى المشترك واتساع النزعات الفردانية المتطرفة. هكذا يصبح الإنسان أكثر قابلية للخضوع لمنطق السوق والاستهلاك أو للانجذاب إلى شعبويات متطرفة بحثا عن انتماء بديل. هذا ما يؤدي إلى تآكل المرجعيات المشتركة إلى إضعاف التضامن الاجتماعي بوصفه اللحمة الجامعة للمجتمع.

هكذا، لا يطلب “اليسار الجديد المتجدد” من المواطن المسلم أن يختار بين إيمانه وبين مشروعه في العدالة الاجتماعية. إنه يقول له إن نفس القيم التي يستمدها من دينه -الإنصاف، رفض الظلم، كرامة الإنسان، إدانة عبودية المال – هي بالضبط ما يبني عليه مشروع سياسي يساري متجدد لا يستعير شرعيته من الدين ولا يعاديه، بل يلتقي معه في الغاية، غاية تحرير الإنسان من كل أشكال الاستلاب الاقتصادي والإيديولوجي والسياسي الاقتصادي منها والإيديولوجي، وبناء مواطن حر ومسؤول داخل مجتمع ديمقراطي وعادل.

هذه بتركيز، هي القراءة اليسارية الجديدة للدين التي يدعو إليها تيار اليسار الجديد المتجدد بهدف إصلاح بعض من أعطاب اليسار المغربي وفي عموم المجتمعات الإسلامية. وهي ليست مصالحة انتهازية كما ليست قطيعة عدمية، وإنما، بالأساس، استعادة لما هو تحرري في الموروث الديني الشعبي، ووضعه في خدمة مشروع سياسي يعيد للمواطن المغربي – الذي ليس بالضرورة أسير وعي زائف – مهما كانت درجة تدينه، الأمل في العدالة والكرامة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *