رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
يقدم هذا الكتاب لمؤلفه احمد مولانا قراءة استراتيجية معمقة لشبكة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة خارج الولايات المتحدة، باعتبارها إحدى أهم أدوات القوة الأمريكية في النظام الدولي. وينطلق من فرضية أساسية مفادها أن هذه القواعد ليست مجرد منشآت عسكرية، وإنما تمثل بنية تحتية للهيمنة العالمية، تسمح لواشنطن بإدارة مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية، وإسقاط قوتها في مختلف الأقاليم. وفي الوقت نفسه يناقش الكتاب الجدل المتزايد حول جدوى هذه القواعد، في ظل تحولها إلى أهداف مباشرة للخصوم، كما ظهر بوضوح خلال المواجهات الأخيرة مع إيران.
يرى المؤلف أن فكرة القواعد العسكرية ليست جديدة، إذ ارتبطت تاريخيا بتأمين خطوط الإمداد وحماية الإمبراطوريات، بدءا من التجربة الرومانية، إلا أن الولايات المتحدة طورت هذا المفهوم بعد الحرب العالمية الثانية ليصبح شبكة عالمية مترابطة. ويشير إلى أن واشنطن تمتلك مئات القواعد العسكرية الخارجية التي تشكل العمود الفقري لاستراتيجيتها العالمية، إذ بلغ عدد المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية نحو 544 قاعدة وفق جرد البنتاغون لعام 2021.
ويخصص الكتاب مساحة واسعة لتفسير الوظائف التي تؤديها هذه القواعد، والتي تتجاوز مجرد استضافة الجنود. فهي تمثل مراكز لتمركز القوات والمعدات، وقواعد للإنذار المبكر والدفاع الصاروخي، ومنشآت للصيانة والإصلاح، ومراكز للتدريب المشترك مع الحلفاء، فضلا عن دورها في حماية طرق التجارة الدولية وحرية الملاحة والاستجابة السريعة للأزمات الإنسانية والعسكرية. ومن ثم فإن وجودها يسمح للولايات المتحدة بالتحرك العسكري دون الحاجة إلى نقل قواتها من الأراضي الأمريكية في كل أزمة جديدة.
ويتتبع المؤلف التطور التاريخي لهذه الشبكة، مبينا أنها بدأت بمحطات بحرية صغيرة في أواخر القرن التاسع عشر، ثم توسعت بعد الحرب الإسبانية الأمريكية، قبل أن تتحول خلال الحرب العالمية الثانية إلى شبكة واسعة من القواعد. أما خلال الحرب الباردة فقد أصبحت أداة لتطويق الاتحاد السوفيتي ومنع أي قوة من السيطرة على أوراسيا، بينما شهدت بعد نهاية الحرب الباردة تقليصا نسبيا قبل أن تعود للتوسع بعد هجمات 11 سبتمبر، ثم أعيد توجيهها منذ عام 2017 لمواجهة روسيا والصين في إطار استراتيجية (التنافس بين القوى الكبرى).
ويعرض الكتاب نقاشا استراتيجيا مهما بين اتجاهين داخل الفكر الأمني الأمريكي. الأول يرى أن الانتشار العسكري الواسع يفرض أعباء مالية ضخمة ويزيد احتمالات الاحتكاك مع القوى المنافسة، ويجعل القوات الأمريكية أكثر عرضة للهجمات، ولذلك يدعو إلى تقليص عدد القواعد وتحميل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمنهم. أما الاتجاه الثاني فيعتبر أن البيئة الدولية الحالية، بما تتضمنه من تهديدات متزايدة، تفرض الحفاظ على شبكة عالمية من القواعد تتيح سرعة الانتشار العسكري، وتختصر الزمن اللازم للتدخل في الأزمات.
ومن الجوانب المهمة التي يناقشها المؤلف تطور العقيدة العسكرية الأمريكية في مواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيرة. فقد انتقلت الولايات المتحدة من الاعتماد على قواعد ضخمة وثابتة إلى مفهوم (التوظيف القتالي الرشيق)، الذي يقوم على توزيع القوات على عدد كبير من المواقع الصغيرة والمتفرقة، بما يقلل من قابليتها للاستهداف ويزيد مرونة العمليات العسكرية. كما يشرح الأطر القانونية التي تنظم وجود هذه القواعد، والتي تقوم أساسا على اتفاقيات ثنائية مع الدول المضيفة، مثل اتفاقيات وضع القوات (SOFA) واتفاقيات التعاون الدفاعي.
ويتناول الكتاب البعد المالي والسياسي لاستضافة القواعد، موضحا أن الدول المضيفة تتحمل في كثير من الأحيان جزءا من تكاليفها، سواء عبر تمويل البنية التحتية أو تغطية نفقات التشغيل، كما أن استمرار وجودها يرتبط برضا الحكومات المضيفة واستمرار الشراكات الأمنية معها.
وفي الجانب التطبيقي، يقدم المؤلف عرضا مفصلا لخريطة الانتشار الأمريكي في العالم، مبينا أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ أصبحت المسرح الأكثر أهمية بسبب المنافسة مع الصين، تليها أوروبا في مواجهة روسيا، بينما يحتفظ الشرق الأوسط بمكانة مركزية لارتباطه بردع إيران، وتأمين الطاقة، ومكافحة الإرهاب، وحماية إسرائيل. ويعرض كذلك أدوار أهم القواعد في الأردن والبحرين والكويت وقطر والسعودية وسلطنة عمان، موضحا الوظيفة العملياتية لكل دولة داخل منظومة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
ويبرز الأردن باعتباره منصة متقدمة للعمليات الجوية والدفاع الصاروخي، في حين تمثل البحرين مقر الأسطول الخامس الأمريكي، وتشكل الكويت مركزاً لوجستياً رئيسياً للعمليات البرية، بينما أصبحت قاعدة العديد في قطر مركز القيادة الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط، مع استمرار أهمية السعودية وسلطنة عمان في تأمين العمق اللوجستي والجوي والبحري للعمليات الأمريكية. ويبين المؤلف أن هذه القواعد لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تشكل شبكة عمليات متكاملة تسمح بإدارة العمليات العسكرية في المنطقة بكفاءة عالية.
وينتهي الكتاب إلى نتيجة نقدية مفادها أن القواعد العسكرية الأمريكية تمثل بالفعل أداة رئيسية للحفاظ على النفوذ الأمريكي العالمي، لكنها في الوقت ذاته أصبحت سببا في تعريض الدول المضيفة لمخاطر متزايدة، لأنها تتحول تلقائيا إلى أهداف للقوى المناوئة للولايات المتحدة كلما اندلعت أزمات إقليمية. ومن هنا يطرح المؤلف سؤالا محوريا: هل توفر هذه القواعد حماية حقيقية للدول المضيفة، أم أنها تجعلها جزءا من صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية؟ ويؤكد أن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي إعادة التفكير في مستقبل ترتيبات الأمن الإقليمي وعلاقة دول المنطقة بالوجود العسكري الأمريكي.
شارك المقال























Leave a Reply