المغرب لا يبحث عن رئيس حكومة. بل يبحث عن سياسة

رصد النغرب / مراد مجاهد /


كلما طُرح اسم فوزي لقجع بوصفه شخصية قد تقود الحكومة في مرحلة مقبلة، انصرف النقاش سريعًا إلى الرجل: هل ينجح أم لا؟ هل يمتلك الكاريزما الكافية؟ وهل يستطيع أن ينقل نجاحه في تدبير كرة القدم والمالية إلى تدبير الشأن العام؟ لكن هذا السؤال، على أهميته، يبقى سؤالًا ناقصًا، لأنه يجعلنا ننشغل بالشخص ونغفل السياق. فالمشكلة في المغرب لم تعد تكمن في البحث عن الرجل المناسب، بل في البحث عن السياسة التي تسمح لأي رجل، مهما بلغت كفاءته، بأن ينجح. لقد اعتدنا أن نحمّل الأشخاص أكثر مما يحتملون، وأن نبحث في كل مرحلة عن وجه جديد نعلّق عليه آمالنا، ثم لا نلبث أن نكتشف أن الوجوه تتغير، بينما تبقى الأسئلة نفسها، وتبقى خيبة الأمل هي الثابت الوحيد.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن فوزي لقجع راكم تجربة إدارية مهمة، وأنه ارتبط في وجدان المغاربة بمرحلة استثنائية عاشتها كرة القدم الوطنية، لكن السياسة ليست مباراة تُحسم بالنتيجة، ولا إدارة تُقاس بالأرقام وحدها. إنها فن إدارة التناقضات، وبناء التوافقات، وتحمل كلفة القرارات الصعبة، والعمل داخل فضاء تتداخل فيه الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والدستورية والسياسية. لذلك فإن نجاح أي مسؤول لا يتوقف على قدراته الفردية فقط، بل على طبيعة البيئة التي يتحرك داخلها، وعلى المؤسسات التي تسنده، وعلى الأحزاب التي تمنحه الشرعية السياسية.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يتهرب منه الجميع: هل أزمة المغرب هي أزمة رجال، أم أزمة أحزاب؟ فمنذ سنوات طويلة فقدت الأحزاب جزءًا كبيرًا من قدرتها على إقناع الناس بأنها تحمل مشاريع مجتمعية متمايزة. لم يعد المواطن يميز بينها من خلال الأفكار، بل من خلال الأسماء. تراجعت الحدود الفاصلة بين اليمين واليسار والمحافظين والليبراليين، حتى أصبحت البرامج الانتخابية متشابهة إلى حد كبير، وصار الانتقال من حزب إلى آخر يحدث بسهولة تثير لدى المواطن سؤالًا بسيطًا لكنه مؤلم: إذا كانت المبادئ لا تمنع هذا التنقل، فأين هي المبادئ أصلًا؟

لقد تحول الحزب، في كثير من الحالات، من مصنع للأفكار إلى آلة انتخابية، ومن مدرسة لتكوين النخب إلى فضاء لتدبير التحالفات والبحث عن المقاعد. وغابت المعركة الفكرية لتحل محلها معركة المواقع، وأصبح الحديث عن البرامج أقل حضورًا من الحديث عن التزكيات، وعن الأشخاص أكثر من الحديث عن المشاريع. وحين يصل العمل الحزبي إلى هذه المرحلة، يصبح من الطبيعي أن يتراجع اهتمام المواطن بالسياسة، لأنه لم يعد يرى اختلافًا حقيقيًا بين البدائل المطروحة أمامه.

ومع ذلك، سيكون من الظلم تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا الواقع. فهي تعمل داخل منظومة مؤسساتية معقدة، وفي إطار دستوري يجعل عددا من الخيارات الاستراتيجية مستقرة بغض النظر عن الحزب الذي يقود الحكومة. وهذا ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن هامش المبادرة السياسية أصبح أضيق مما يتصوره الرأي العام، وأن الحكومات، مهما اختلفت ألوانها، تتحرك داخل مساحة محددة سلفًا. لكن حتى لو سلمنا بهذا المعطى، فإنه لا يعفي الأحزاب من مسؤوليتها في تجديد خطابها، وتكوين نخبها، وتعزيز ديمقراطيتها الداخلية، لأن الحزب الذي يعجز عن ممارسة الديمقراطية داخل بيته، يصعب أن يقنع الناس بأنه سيحميها خارج أسواره.

إن المشكلة ليست في أن يقود الحكومة فوزي لقجع أو غيره، وإنما في أن يظل النقاش السياسي رهين البحث عن المنقذ. فالأمم لا تُبنى بالأفراد مهما بلغت كفاءتهم، وإنما تُبنى بمؤسسات قوية، وأحزاب حية، ومجتمع يؤمن بأن السياسة ليست مسرحًا لتبديل الوجوه، بل وسيلة لتغيير الواقع. وكلما ازداد اعتمادنا على الأشخاص، ازداد ضعف المؤسسات، لأننا نربط نجاح الدولة بوجود رجل استثنائي، بدل أن نربطه بوجود قواعد تضمن استمرار النجاح مهما تغيرت الأسماء.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع فوزي لقجع أن يقود الحكومة؟ بل: هل أصبح لدينا نظام حزبي قادر على إنتاج أكثر من فوزي لقجع؟ وهل تستطيع أحزابنا أن تفرز قيادات تحظى بثقة الناس لأنها تحمل مشروعًا سياسيًا واضحًا، لا لأنها حققت نجاحًا في مجال آخر؟ فالدول التي تراهن على المؤسسات لا تخشى رحيل الأفراد، أما الدول التي تراهن على الأفراد، فإنها تعود في كل محطة إلى نقطة البداية، تبحث عن اسم جديد، بينما تظل الأزمة القديمة على حالها.

لقد آن الأوان لأن نخرج من عبادة الأشخاص إلى بناء السياسة، ومن انتظار البطل إلى صناعة المؤسسة، ومن الرهان على الكاريزما إلى الرهان على الفكرة. فحين تصبح الأحزاب فضاءات حقيقية لإنتاج النخب والأفكار، وحين يشعر المواطن أن صوته يغير بالفعل اتجاه السياسات العامة، لن يهم كثيرًا من يجلس على كرسي رئاسة الحكومة، لأن قوة الدولة لن تكون في اسم رئيسها، بل في صلابة مؤسساتها، وحيوية أحزابها، وثقة مواطنيها في أن السياسة ما زالت قادرة على أن تصنع الفرق.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *