تجربة الإسلام السياسي

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

 

شهدت حركات الإسلام السياسي تحولا ملحوظا في خطابها وممارستها خلال العقد الأخير، حيث انتقلت من منطق المواجهة الجذرية مع الدولة إلى تبني مقاربة براغماتية تقوم على المشاركة المؤسساتية والانخراط في قواعد اللعبة السياسية القائمة. هذا التحول لم يكن مجرد اختيار تكتيكي عابر، بل جاء نتيجة تراكمات داخلية وضغوط خارجية دفعت هذه الحركات إلى إعادة تعريف أولوياتها، من مشروع تغييري شامل إلى إصلاح تدريجي من داخل المؤسسات. غير أن وصولها إلى السلطة التنفيذية في سياق ما بعد 2011 كشف عن حدود هذه المقاربة، إذ سرعان ما اصطدمت بجملة من المعوقات الهيكلية التي قيدت قدرتها على الفعل وأفرغت تجربتها من مضمونها الإصلاحي.

أول هذه المعوقات يتمثل في طبيعة بنية السلطة ذاتها، حيث ظلت مراكز القرار الاستراتيجي متمركزة خارج نطاق الحكومة المنتخبة، خاصة في الأنظمة التي تحتفظ فيها المؤسسة الملكية أو ما يعرف ب)المخزن( بهيمنة فعلية على الملفات الكبرى كالأمن والاقتصاد الكلي والسياسة الخارجية. في هذا السياق، بدت الحكومة وكأنها جهاز تدبيري محدود الصلاحيات، يشتغل ضمن هامش ضيق لا يسمح بإحداث تحولات عميقة، مما جعل الخطاب الانتخابي الذي وعد به المواطنون يصطدم بواقع مؤسساتي صلب لا يستجيب بسهولة لمنطق التداول الديمقراطي.

أما المعوق الثاني، فيتجلى في الإكراهات الاقتصادية الدولية التي فرضت نفسها بقوة على التجارب الحكومية ذات المرجعية الإسلامية، حيث وجدت هذه الحكومات نفسها مضطرة للتعامل مع شروط المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذان يفرضان سياسات اقتصادية قائمة على التقشف ورفع الدعم وإعادة هيكلة النفقات العمومية. هذه السياسات، وإن كانت تقدم كضرورات تقنية لضبط التوازنات المالية، فإنها غالبا ما تتعارض مع الوعود الاجتماعية التي رفعتها هذه الأحزاب خلال حملاتها الانتخابية، مما أدى إلى تآكل رصيدها الشعبي وفقدان جزء كبير من مصداقيتها.

المعوق الثالث يرتبط بمحدودية الأداة الحزبية نفسها، إذ لم تكن هذه الأحزاب تمتلك امتدادا حقيقيا داخل مفاصل الدولة العميقة، سواء في البيروقراطية أو الأجهزة الأمنية أو المؤسسات الاقتصادية الكبرى. هذا الضعف البنيوي جعلها عاجزة عن فرض سياساتها أو حتى مراقبة تنفيذها بشكل فعال، كما حد من قدرتها على محاربة الفساد الذي ظل متجذرا داخل شبكات معقدة من المصالح. وبذلك، تحولت المشاركة في الحكم إلى نوع من التعايش مع واقع قائم بدل تغييره، بل وأحيانا إلى غطاء يمنح هذا الواقع شرعية إضافية.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن تجربة الإسلام السياسي في السلطة كشفت عن مفارقة جوهرية: فالمشاركة في الحكومة لا تعني بالضرورة امتلاك السلطة الفعلية، كما أن الانتقال من المعارضة إلى التدبير لا يضمن القدرة على الإنجاز في ظل اختلال موازين القوة. وقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك هي خيبة أمل شعبية واسعة، ترجمت في تراجع الثقة وفقدان الرصيد الانتخابي، وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول جدوى الرهان على الإصلاح من الداخل في غياب شروط بنيوية حقيقية تسمح بذلك، وحول قدرة هذه الحركات على إعادة بناء مشروعها السياسي بما يتجاوز حدود البراغماتية التي انتهت إلى استيعابها داخل النظام بدل تغييره.  

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *