ماذا تقول موجات العبور الجماعي عن واقع المغاربة بين الهجرة والصمت الرسمي؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


أثارت الأرقام المتداولة بشأن عبور آلاف المهاجرين من المغرب نحو مدينة سبتة المحتلة موجة واسعة من الجدل، بعدما نسبت إلى وزارة الداخلية الإسبانية معطيات تفيد بوصول نحو 49 ألف مهاجر خلال فترة وجيزة. وبينما انشغل الرأي العام بحجم الأعداد المعلنة، برزت تساؤلات أعمق حول دقة هذه الإحصاءات وسياقها، وما إذا كانت تعكس واقعا ميدانيا أم أنها تدخل ضمن قراءات سياسية وإعلامية مرتبطة بملف الهجرة.

ولا يقتصر النقاش على عدد الواصلين إلى سبتة، بل يمتد إلى الأسباب التي تدفع الآلاف إلى خوض محاولات الهجرة غير النظامية، ودور شبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن طبيعة التنسيق الأمني بين المغرب وإسبانيا في تدبير الحدود. كما أعادت هذه التطورات ملف الهجرة إلى واجهة العلاقات الثنائية، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدا، في ظل تداخل أبعاده الأمنية والإنسانية والسياسية.

وفي خضم هذا الجدل، يظل التحقق من الأرقام وتقديم معطيات دقيقة وموثقة أمرا أساسيا لفهم حقيقة ما جرى، بعيدا عن التهويل أو التوظيف السياسي، بما يسمح بقراءة موضوعية لواحدة من أبرز القضايا التي تشغل الضفة الجنوبية والشمالية للبحر الأبيض المتوسط.

لا تسألوا الطيور لماذا هاجرت، بل اسألوا عن الظروف التي أجبرتها على الرحيل. فالهجرة ليست دائما بحثا عن الرفاهية، وإنما قد تكون فرارا من واقع ضاقت به السبل. فمنهم من يبحث عن علاج يخفف ألمه، ومنهم من يسعى إلى فرصة عمل تحفظ كرامته، ومنهم من لا يطلب سوى معاملة إنسانية تليق بإنسانيته. فليس كل راحل راغبا في الرحيل، وإنما قد تدفعه قسوة الظروف إلى مغادرة ما كان يتمنى البقاء فيه.

إذا أردت أن تعرف قيمة الإنسان في أي مجتمع، فلا تكتف بالاستماع إلى الشعارات والخطابات، بل اذهب ليلا إلى قسم المستعجلات. هناك، حيث تتجلى معاناة المواطنين بعيدا عن الأضواء، حيث تنكشف حقيقة الخدمات، وتظهر الفجوة بين الوعود والواقع. ففي تلك اللحظات الحرجة تقاس قيمة الإنسان، ويختبر مدى احترام كرامته، لا بما يقال، بل بما يقدم له من رعاية واهتمام.

وتزامنا مع أحداث سبتة، تداولت بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تصريحات نسبت إلى شخصيات دولية، من بينها إيلون ماسك، الذي قيل إنه شبه المشاهد بـ”فيلم الزومبي”، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي نسب إليه تعليق اعتبر فيه أن ما حدث في سبتة قد يتكرر في الولايات المتحدة إذا تولى “الشخص الخطأ” السلطة.

ويلاحظ كثيرون غياب أي تواصل رسمي يشرح للرأي العام أسباب هذه الظاهرة أو يقدم توضيحات حكومية بشأن ما يجري، وهو ما أفسح المجال أمام اتساع دائرة التساؤلات والتأويلات. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه الخطاب الرسمي التأكيد على ما يحققه المغرب من إنجازات تنموية واستعداده لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، وهو الأمر الذي جعل البعض يتساءل عن مدى انسجام هذه الصورة مع التطورات الجارية على أرض الواقع.

وإذا كانت الحكومة تؤكد أن مؤشرات التنمية تسير في الاتجاه الصحيح، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، هو لماذا يواصل آلاف الشباب المخاطرة بحياتهم أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى؟ وهل تكفي الشعارات والإنجازات المعلنة لإقناع المواطنين بالبقاء؟ أم أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي، بما يحمله من تحديات وفرص محدودة، لا يزال هو العامل الحاسم الذي يوجه اختياراتهم ويفرض منطقه على الأرض؟

الهجرة كانت وستظل مرآة تعكس أوضاع المجتمعات. وعندما يختار الإنسان ركوب البحر أو اقتحام الحدود، فإن ذلك لا يكون عادة قرارا سهلا، بل نتيجة تراكمات من الإحباط وفقدان الأمل. لذلك، فإن معالجة الظاهرة لا تبدأ عند الحدود، وإنما تبدأ من الداخل، عبر توفير فرص العيش الكريم، وتحسين الخدمات الأساسية، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *