هل اكتشف وزراء «البام» الحلول بعد فوات الأوان؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


يبدو أن موسم الانتخابات في المغرب لا يغير فقط لون اللافتات والشعارات، بل يغير أيضا ذاكرة بعض السياسيين، حيث بمجرد أن تبدأ الحملة الانتخابية، يصبح ما كان بالأمس «مسؤولية حكومية» اليوم «برنامجا انتخابيا»، وتتحول العراقيل التي كانت حاضرة داخل مكاتب الوزراء إلى أعذار جاهزة، بينما تعود الوعود نفسها في نسخة جديدة، وكأن المواطن لم يكن يتابع ما جرى خلال السنوات الماضية.

هذا تحديدا ما يطرح نفسه أمام الخطاب الجديد لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي اختار أن يدخل الحملة الانتخابية بجرعة مرتفعة من الوعود الاقتصادية والاجتماعية، من فرض ضريبة على «الأرباح الفاحشة»، إلى دعم القدرة الشرائية، مرورا بالتشغيل والتكوين وتسهيل الاستثمار وإصلاح الصحة وتسريع الرقمنة.

ليلى بنعلي، عضو المكتب السياسي للحزب، دافعت عن قابلية البرنامج الانتخابي للتنفيذ، وقالت إن تمويل وعوده، التي تقدر كلفتها بنحو 350 مليار درهم، يمكن أن يعتمد على فرض ضريبة على الشركات التي «تتربح من الأزمات»، معتبرة أن موارد هذه الضريبة يمكن أن تساهم في تمويل الدعم المباشر.

فكل ذلك هو كلام جميل في موسم انتخابي، حيث هناك تفصيلا صغيرا يصعب تجاهله، وهو ألم يكن حزب الأصالة والمعاصرة داخل الحكومة عندما كانت هذه الملفات نفسها مطروحة على الطاولة؟ ألم تكن الأسعار موجودة؟ ألم تكن القدرة الشرائية للمواطنين مطروحة؟ ألم تكن أزمة الاستثمار والتشغيل والصحة والرقمنة حاضرة؟ ألم تكن هناك شركات تحقق أرباحا كبيرة في قطاعات مختلفة؟ والأهم من ذلك كله، ألم يكن وزراء الحزب جزءا من السلطة التنفيذية وصناعة القرار؟ وهنا تحديدا يصبح السؤال أكثر إزعاجا من أي شعار انتخابي، وهو إذا كانت الحلول ممكنة اليوم، فما الذي منع تنفيذها بالأمس؟

بل إن السيدة بنعلي تحدثت عن ضرورة فرض ضريبة على «الأرباح الفاحشة»، وقالت إن تسقيف الأسعار كان ينبغي أن يتم منذ سنة 2015 عبر إصلاح ضريبي يحد من استفادة بعض الفاعلين من الأوضاع الاستثنائية. لكن المواطن قد يسأل ببساطة إذا كان هذا الإصلاح ضروريا منذ 2015، فلماذا لم يتحول إلى واقع خلال فترات تولي مسؤولين من الحزب مواقع القرار؟ فهل كانت المشكلة في غياب الصلاحيات؟ أم في ضعف التنسيق؟ أم في الحسابات السياسية؟ أم أن الإصلاحات تصبح دائما أسهل عندما نغادر الحكومة وندخل الحملة الانتخابية؟

إن المواطن لا يحتاج إلى درس جديد في الاقتصاد، ولا إلى قاموس جديد من المصطلحات الانتخابية. بل هو يريد أن يعرف لماذا يدفع اليوم أكثر مقابل حاجياته الأساسية، ولماذا بقيت ملفات كبرى عالقة، ولماذا يتكرر الخطاب نفسه مع كل استحقاق انتخابي. ثم إن الحديث عن فرض ضرائب على الشركات التي تستفيد من الأزمات يحتاج إلى أكثر من التصفيق في التجمعات الانتخابية. أي شركات تحديدا؟ كم ستدر هذه الضريبة؟ وكيف ستضمن الحكومة ألا تنتقل كلفتها في النهاية إلى المستهلك؟ وما هي الآليات التي ستمنع تحويل الضريبة الجديدة إلى مجرد تكلفة إضافية يدفعها المواطن من جيبه؟

إن المواطن المغربي أصبح يعرف جيدا أن الضرائب لا تختفي في الهواء، وأن أي تكلفة إضافية على الاقتصاد يمكن أن تجد طريقها، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الأسعار. وأما الحديث عن «تجربة وزراء الحزب داخل الحكومة» باعتبارها أساسا للبرنامج الجديد، فهو يفتح الباب أمام محاسبة هذه التجربة نفسها. فإذا كانت المشاركة الحكومية هي مصدر الإلهام للبرنامج، فإن من حق الرأي العام أن يسأل عن الحصيلة كاملة، لا عن الجزء الذي يخدم الحملة الانتخابية فقط.

وفي ملف «لاسامير» مثلا، جددت بنعلي التزام الحزب بالعمل على إعادة خزانات المصفاة إلى الخدمة، وأشارت إلى الترخيص الذي منحته وزارتها سنة 2023 لاستعمالها، مع الحديث عن شروط مرتبطة بمنع الاحتكار وضمان سلامة الساكنة. ولكن «لاسامير» ليست ملفا ولد بالأمس حتى يصبح اكتشافه انتخابيا اليوم. إنه ملف اقتصادي وسياسي وقضائي معقد، ظل حاضرا لسنوات طويلة، والمغاربة يستحقون بشأنه أجوبة دقيقة حول ما تحقق فعلا، وما تعطل، ولماذا تعطل، وما هي الخطة الواقعية للمستقبل.

وأما في الصحة، اختارت بنعلي جملة لا يمكن لأي مواطن إلا أن يتفاعل معها، عندما اعتبرت أنه «من غير المقبول، في مغرب 2030، أن تموت نساء حوامل في المستشفيات».فبالتأكيد، لا أحد يمكنه الدفاع عن تردي الخدمات الصحية أو عن وفاة امرأة أثناء الولادة بسبب ضعف الرعاية. لكن السؤال يعود مرة أخرى، وهو من كان مسؤولا عندما كانت الصحة تحتاج إلى الإصلاح؟ حيث القطاع الصحي لم يكن ينتظر الانتخابات حتى يكتشف السياسيون اختلالاته. والميزانيات لم تكن غائبة. والمرضى لم يظهروا فجأة مع بداية الحملة الانتخابية.

والشيء نفسه ينطبق على الرقمنة. فإذا كانت بعض المصالح أو الوسطاء يعرقلون الانتقال الرقمي، فمن واجب المسؤولين الذين كانوا في الحكومة أن يواجهوا هذه العراقيل، لا أن يعاد اكتشافها كلما اقترب موعد الاقتراع.

وأما السيد يونس السكوري، فقد اختار بدوره التشغيل والتكوين وتسهيل الاستثمار كعناوين أساسية في تعهدات الحزب. وهي ملفات تمس مباشرة ملايين المغاربة، لكنها في الوقت نفسه ملفات كانت حاضرة بقوة خلال سنوات التدبير الحكومي. وهنا أيضا لا مفر من السؤال، وهو ماذا تحقق؟ وكم فرصة شغل أحدثت؟ وماذا تغير في منظومة التكوين؟ وكم من العراقيل أزيلت أمام المستثمرين؟ وهل أصبح الشاب المغربي اليوم يجد فرصا أفضل مما كان يجده قبل سنوات؟ بل السيد السكوري لن يستطيع الجواب، ولن يجد حلا.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة ليس أن يفشل المسؤول في تحقيق بعض الوعود، فالفشل وارد في كل تجربة حكومية، وإنما أن يتحول الفشل إلى صمت، ثم تتحول الوعود نفسها إلى برنامج انتخابي جديد دون تقديم كشف حساب واضح للرأي العام. لأن السياسة ليست مسرحا تتغير فيه الأدوار كل خمس سنوات. فالوزير الذي كان بالأمس جزءا من الحكومة لا يمكنه اليوم أن يتحدث عن مشاكل الأمس وكأنه كان مجرد متفرج عليها.

ومن حق «البام» أن يقدم برنامجا جديدا، ومن حق بنعلي والسكوري الدفاع عنه كما فعل العنصر الحديث في مكتبهم السياسي “لقجع”، ومن حق الحزب أن يعد المغاربة بما يراه مناسبا. لكن من حق المواطن أيضا أن يضع البرنامج الجديد بجانب الحصيلة القديمة، وأن يسأل ما الذي تغير في رؤيتكم؟ وما الذي منعكم من تنفيذ ما تقولون إنه ممكن اليوم؟

لقد انتهى زمن الوعود التي لا تحتاج إلى تفسير. لأن المواطن يريد أرقاما ونتائج وتواريخ وحصيلة ومسؤولية واضحة. وأما الانتقال من كرسي الحكومة إلى منصة الانتخابات، ثم العودة إلى الملفات نفسها بلغة جديدة، فلن يمحو ذاكرة المغاربة. لأن الناخب لا يسأل فقط «ماذا ستفعلون؟»، وإنما يسأل، وبصوت أعلى هذه المرة «ماذا فعلتم عندما كانت السلطة والقرار والميزانية بين أيديكم؟» وهذا السؤال، أكثر من أي شعار انتخابي، قد يكون الاختبار الحقيقي لبرنامج «البام» ولخطابه الجديد.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *