رصد المغرب/ مراد مجاهد
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر، يعود ذلك النقاش الذي يتكرر كلما اقترب صندوق الاقتراع: هل نشارك أم نقاطع؟ هل نذهب إلى صناديق التصويت ونختار من نراه أقرب إلى قناعاتنا، أم ننسحب احتجاجاً على واقع انتخابي وسياسي لا نثق في كثير من شروطه؟ وبالنسبة إليّ، لا أجد نفسي في حاجة إلى الاختيار بين المشاركة والرضا عن الواقع، لأنهما ليسا الشيء نفسه أصلاً؛ يمكن للمرء أن يكون شديد النقد للانتخابات، شديد الشك في بعض شروطها، شديد الاعتراض على طريقة اشتغال المؤسسات، ومع ذلك يقرر أن يشارك، لا لأنه صدق فجأة أن اللعبة أصبحت عادلة، وإنما لأنه لا يريد أن يتركها بالكامل لمن يملك المال والتنظيم والنفوذ ثم يعود بعد ذلك ليشتكي من النتائج. أنا مع المشاركة، لا لأنني أعتقد أن الانتخابات وحدها قادرة على تغيير موازين القوى، ولا لأنني أتوهم أن المؤسسات المنتخبة أصبحت فجأة مستقلة وفاعلة، ولا لأنني أرى أن صندوق الاقتراع عصا سحرية قادرة على إصلاح ما تراكم من أعطاب، وإنما لأنني أعتقد أن عدم الرضا عن الواقع يمكن أن يكون سبباً للمشاركة أكثر مما يكون سبباً للانسحاب.
قد يقول لي صديق اختار المقاطعة: وكيف تشارك في لعبة تعتقد أن قواعدها مختلة؟ وأقول له: ربما يكون السؤال الحقيقي هو العكس تماماً، كيف تترك لعبة تقول إنها مختلة بالكامل ثم تتركها لمن لا ترى أنهم يمثلونك، وبعد ذلك تنتظر منهم أن يغيروا قواعدها؟ أنا لا أستخف بموقف المقاطعين، ولا أعتبره جهلاً ولا سلبية ولا تخلياً عن المسؤولية، فالمقاطعة يمكن أن تكون موقفاً سياسياً واضحاً، ويمكن أن تكون احتجاجاً مشروعاً على اختلالات حقيقية، ويمكن أن تنبع من قناعة عميقة بأن المشاركة في شروط معينة لا تنتج التغيير المنشود. لكنني أختلف معهم في نقطة واحدة، وربما تكون هي الأهم: أنا لا أسأل فقط هل الانتخابات تستحق أن نشارك فيها، وإنما أسأل ماذا سيحدث إذا لم نشارك؟ ماذا سينتج غيابنا؟ وهل سيتوقف المسار الانتخابي لأننا بقينا في بيوتنا؟ وهل ستلغى المقاعد؟ وهل ستتوقف الأحزاب عن التنافس؟ وهل سيختفي المال السياسي والنفوذ؟ أم أن العملية ستستمر، وستُملأ المقاعد، وستتشكل المؤسسات، وسيتخذ آخرون القرارات، ثم نكتشف بعد ذلك أننا انسحبنا من الساحة الوحيدة التي كان يمكن لنا فيها، ولو بقدر محدود، أن نؤثر في اتجاهها؟
هنا تحديداً أعتقد أن علينا أن نفرق بين الموقف الأخلاقي والمردود السياسي. قد يكون من الأخلاقي أن تقول: أنا أرفض هذه الشروط، ولذلك لن أشارك، لكن السياسة لا تتوقف عند إعلان الرفض، بل تسأل أيضاً: وماذا بعد؟ ما الذي سيأتي بعد المقاطعة؟ هل توجد قوة اجتماعية وسياسية منظمة تستطيع تحويل الامتناع عن التصويت إلى ضغط حقيقي؟ هل توجد آلية تجعل نسبة العزوف رسالة سياسية ملزمة لأحد؟ هل يوجد تنظيم قادر على ترجمة المقاطعة إلى مشروع بديل، أم أن الامتناع سيُسجل في النهاية ضمن أرقام العزوف، بينما تستمر العملية الانتخابية كما هي، ويذهب الذين قرروا المشاركة إلى صناديق الاقتراع، ويختارون ممثليهم، ثم تبدأ دورة سياسية جديدة؟ لا أطرح هذه الأسئلة لأنتصر في نقاش مع المقاطعين، وإنما لأنني أعتقد أن أي موقف سياسي، مهما كان نبيلاً، يحتاج إلى أن يسأل نفسه عن قدرته على إنتاج الأثر الذي يريده.
وأنا هنا لا أطالب أحداً بأن يحب الانتخابات، ولا بأن يثق في الأحزاب، ولا بأن يمنح صك براءة للمؤسسات، ولا بأن ينسى كل ما يراه من اختلالات بمجرد أن تفتح مكاتب التصويت أبوابها. بالعكس، قد يكون الإنسان أكثر نقداً للمؤسسات وهو يشارك فيها، لأن المشاركة لا تعني التزكية، والتصويت لا يعني الرضا، والذهاب إلى صندوق الاقتراع لا يعني أن المواطن وقع على تنازل عن حقه في الاحتجاج والمساءلة. يمكنني أن أصوت ثم أعود في اليوم التالي إلى انتقاد المؤسسة نفسها، ويمكنني أن أختار مرشحاً أو حزباً ثم أختلف معه عندما أراه يخطئ، ويمكنني أن أشارك في الانتخابات وأظل مقتنعاً بأن النظام الانتخابي والسياسي يحتاج إلى إصلاحات عميقة. لا تناقض في ذلك، لأن الديمقراطية ليست حفلة ولاء، وصندوق الاقتراع ليس مكتباً للتنازل عن العقل.
بل ربما تكون المشاركة، في بعض الظروف، شكلاً من أشكال الاحتجاج أيضاً. أن تدخل إلى الصندوق وأنت تعرف أن الطريق غير مثالي، ثم تختار من تراه أقرب إلى موقفك، هو في حد ذاته رفض لأن تترك المجال فارغاً. أنت لا تقول إن الواقع جميل، وإنما تقول إنك لن تسمح لعدم رضاك عنه بأن يحولك إلى متفرج. وهذا بالنسبة إليّ هو الفارق بين المشاركة باعتبارها عادة انتخابية والمشاركة باعتبارها فعلاً سياسياً. الأولى قد تكون مجرد وضع ورقة في صندوق، أما الثانية فهي قرار بأن يكون لك، ولو بقدر محدود، موقع في تحديد من يدخل المؤسسة ومن يبقى خارجها، ومن يتحدث باسم الناس ومن لا يتحدث، ومن يملك فرصة طرح الأسئلة ومن لا يملكها.
ثم إن المؤسسات، مهما كانت محدودة، تظل ساحات للصراع السياسي. البرلمان ليس نهاية السياسة، كما أنه ليس خلاصها، لكنه ليس عديم القيمة أيضاً. هناك فرق بين أن تكون خارج المؤسسة وتنتقدها، وبين أن تكون داخلها وتملك أدوات دستورية وقانونية لطرح الأسئلة وطلب المعطيات ومساءلة الحكومة ومناقشة السياسات العمومية وفضح التناقضات أمام الرأي العام. لا أقول إن هذه الأدوات كافية، ولا أقول إن استعمالها يضمن التغيير، وإنما أقول إن التخلي عنها طوعاً لا يبدو لي دائماً الخيار الأكثر ذكاءً. فإذا كنا نريد مؤسسات أقوى، فمن المنطقي أن نريد داخلها أيضاً أصواتاً أقوى، وإذا كنا نريد معارضة حقيقية، فمن الصعب أن نبنيها بالكامل خارج المؤسسات، كما أنه من الخطأ أن نعتقد أن المعارضة داخل المؤسسات تغني عن الشارع والمجتمع المدني والنقابات والصحافة وكل أشكال الضغط الديمقراطي الأخرى.
لذلك أنا لا أؤمن بفكرة أن علينا أن نختار بين الشارع والمؤسسة، أو بين الاحتجاج والتصويت، أو بين المعارضة من الداخل والمعارضة من الخارج. السياسة الأكثر جدوى هي التي تعرف كيف تستعمل كل المساحات المتاحة من دون أن تتحول إلى أسيرة لأي مساحة منها. الشارع وحده لا يكفي، والبرلمان وحده لا يكفي، والنقابة وحدها لا تكفي، والمجتمع المدني وحده لا يكفي، وحتى الانتخابات نفسها لا تكفي. التغيير الحقيقي، إذا كان ممكناً، يحتاج إلى تراكم طويل، وإلى أصوات تضغط من الخارج وأصوات تسأل من الداخل، وإلى مواطن يشارك ثم يحاسب، وإلى ناخب لا يمنح شيكاً على بياض لمن اختاره، وإلى معارضة لا تعتبر دخول المؤسسة نهاية للنضال وإنما بداية لمسؤولية أخرى.
ولذلك لا أريد أن أحول المشاركة إلى عقيدة جديدة في مواجهة عقيدة المقاطعة. المشاركة ليست فضيلة مطلقة، والمقاطعة ليست خطيئة مطلقة. كلاهما أداة، والأداة لا تُقاس بشعاراتها وإنما بقدرتها على خدمة الهدف. قد تكون المقاطعة في ظرف معين أكثر تأثيراً إذا كانت وراءها حركة اجتماعية واسعة وتنظيم قادر على تحويل الامتناع إلى قوة سياسية، وقد تكون المشاركة في ظرف آخر مجرد تزكية شكلية لواقع لا يتغير. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في كل مرة ليس: أيهما يبدو أكثر نقاءً؟ وإنما: أيهما أكثر قدرة على تحقيق ما نريده؟ وأنا، في هذه اللحظة، لا أرى أن المقاطعة تملك وحدها القوة التنظيمية والسياسية التي تجعلها بديلاً فعلياً عن المشاركة، ولذلك أميل إلى الخيار الذي يمنحني، ولو بهامش ضيق، إمكانية الفعل بدل الاكتفاء بتسجيل الرفض.
وأعرف أن البعض سيقول إن صوتاً واحداً لا يغير شيئاً، وربما يكون ذلك صحيحاً إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية الحساب الفردي البارد، لكن الديمقراطية لا تُبنى بالأصوات الفردية المعزولة، وإنما بتراكمها. والصوت الذي يبدو صغيراً عندما يكون وحده يصبح جزءاً من نتيجة عندما ينضم إلى آلاف الأصوات الأخرى. لذلك لا أبحث عن وهم أن صوتي سيقلب المعادلة، وإنما أرفض أن أتنازل عنه مجاناً. لا أعتقد أن كل صوت سيغير الحكومة، ولا أن كل مقعد سيقلب موازين القوى، لكنني أعتقد أن كل حضور سياسي يمكن أن يفتح مساحة جديدة للسؤال والمساءلة، وأن غياب الأصوات التي ترفض الواقع قد يجعل المؤسسة أكثر راحة لمن لا يريدون تغيير شيء.
وهنا أصل إلى النقطة التي أعتقد أنها تستحق أن نتوقف عندها جميعاً: إذا كان المال أقوى، وإذا كان النفوذ أقوى، وإذا كانت بعض الأحزاب أكثر تنظيماً وقدرة على الوصول، وإذا كانت قواعد اللعبة تحتاج إلى إصلاح، فهل تكون الإجابة على كل ذلك هي أن ننسحب نحن؟ أليس من الممكن أن يكون العكس هو الأجدى، أي أن نحضر أكثر، وأن نراقب أكثر، وأن نختار بعناية أكبر، وأن نحاسب بعد التصويت بقسوة أكبر، وأن نرفض تحويل الانتخابات إلى موسم ينتهي بمجرد إعلان النتائج؟ لأن المشكلة ليست فقط في يوم الاقتراع، وإنما في اليوم الذي يليه. المشكلة ليست فقط فيمن صوتنا له، وإنما في ماذا سنفعل عندما يخالف ما وعد به. المشكلة ليست فقط في أن ننتخب، وإنما في أن نتحول من ناخبين موسميين إلى مواطنين دائمين في المراقبة والمساءلة.
ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نترك السياسة للآخرين ثم نشتكي من أنهم مارسوها من دوننا. أن ننسحب من المؤسسات ثم نغضب لأنها لا تشبهنا، وأن نترك المقاعد فارغة من أصواتنا ثم نتساءل لماذا امتلأت بأصوات لا نثق بها، وأن نعلن أن اللعبة فاسدة ثم نتركها للفاسدين، إن كان هذا هو توصيفنا نحن، ثم نعتبر أنفسنا قد انتصرنا بمجرد أننا لم نشارك فيها. السياسة لا تعمل بهذه الطريقة؛ الفراغ لا يبقى فراغاً، وإنما يملؤه دائماً شخص آخر.
لهذا أنا مع المشاركة، لا لأنني أعتقد أن الانتخابات مثالية، بل لأنني أعتقد أن عدم المشاركة لن يجعلها مثالية. أنا مع المشاركة، لا لأنني أثق في كل الأحزاب، بل لأنني لا أريد أن أترك اختيار المؤسسة بالكامل لمن أثق بهم أقل. أنا مع المشاركة، لا لأنني أعتقد أن صندوق الاقتراع هو طريق التغيير الوحيد، بل لأنني أرفض أن أتخلى طوعاً عن إحدى الأدوات القليلة التي ما زالت متاحة للمواطن لكي يقول: هذا أريده، وهذا لا أريده، وهذا أختلف معه، وهذا أراه أقرب إلى ما أؤمن به.
وفي النهاية، قد نختلف حول الحزب والمرشح والبرنامج والاختيار، وهذا طبيعي بل ضروري في أي حياة سياسية حقيقية، لكنني أتمنى أن نتفق على شيء واحد: أن المواطن الذي يشارك ليس بالضرورة مواطناً راضياً، كما أن المواطن الذي يقاطع ليس بالضرورة مواطناً سلبياً. كلاهما قد يكون مدفوعاً بالرفض، وكلاهما قد يكون صادقاً في موقفه، لكن الفرق بيننا هو في تقدير الوسيلة التي نعتقد أنها أكثر قدرة على إنتاج الأثر. وأنا اخترت المشاركة، لا لأنني صدقت أن اللعبة أصبحت عادلة، وإنما لأنني لا أريد أن أترك الملعب لمن أختلف معهم، ثم أكتفي بعد ذلك بالقول إنني كنت أعرف مسبقاً كيف ستنتهي المباراة. وإذا كانت الديمقراطية التي نريدها لا تزال بعيدة، فلنقترب منها بما نملك، لا بما نتمنى أن نملكه؛ ولنستعمل صوتنا، ثم لا نسلم عقلنا لأحد، ولنشارك، ثم لا نتوقف عن النقد، ولنمنح أصواتنا، ثم نجعل من منحنا إياها يعرف أن التزكية الشعبية ليست شيكاً على بياض، وأن الانتخابات ليست نهاية السياسة، وإنما بدايتها.
شارك المقال






















Leave a Reply