عندما يتحول القانون إلى ساحة ضغط (شهادة قاضٍ دولي)

رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي


في واقعة تثير الكثير من التساؤلات حول حدود العدالة واستقلالية القضاء، كشف القاضي الفرنسي “نيكولاس غييو” في المحكمة الجنائية الدولية عن تجربة شخصية تعكس حجم الضغوط التي يمكن أن تمارس على الأفراد في مواقع حساسة. فبعد إصداره قرارا يتعلق بمذكرة اعتقال نتنياهو، وجد نفسه خاضعا لعقوبات مباشرة أثرت على تفاصيل حياته اليومية بشكل غير مسبوق.

يروي القاضي أنه في تاريخ 20 غشت 2025، فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات جعلته فعليا معزولا عن النظام المالي العالمي. وبمجرد توقيع واحد، أصبح غير قادر على استخدام وسائل الدفع الحديثة، إذ توقفت بطاقاته الائتمانية عن العمل، نظرا لاعتماد معظمها على شبكات أمريكية. لم يعد بإمكانه إجراء معاملات بسيطة مثل الشراء عبر الإنترنت، أو حجز سكن، أو حتى تأمين إقامة في فندق، حيث كانت جميع محاولاته تقابل بالإلغاء أو الرفض.

هذا الوضع، كما يصفه، لم يكن مجرد إزعاج مؤقت، بل أعاده إلى ما يشبه حقبة ما قبل العصر الرقمي، حيث تصبح أبسط المعاملات اليومية تحديا حقيقيا. ويشير إلى أن هذا النوع من الإجراءات يعكس مدى السيطرة التي يمكن أن تمارسها أنظمة مالية عالمية على الأفراد، حتى خارج حدودها الجغرافية.

ورغم ذلك، يؤكد القاضي على مبدأ الحياد القضائي، موضحا أن وظيفته تقتضي عدم الانحياز أو التعليق على القضايا التي ينظر فيها. فالقاضي، في نظره، يجب أن يظل ملتزما بالصمت المهني، تاركا الأحكام تتحدث من خلال الإجراءات القانونية فقط.

لكن القلق الأكبر الذي يطرحه يتجاوز تجربته الشخصية، ليصل إلى جوهر النظام الديمقراطي. إذ يحذر من أن الخوف، إذا تسلل إلى مؤسسات العدالة والتشريع والتنفيذ، قد يؤدي إلى شلل كامل في عملها. فإذا خشي المدعون العامون الملاحقة، وتردد المحامون في الدفاع، وتجنب القضاة إصدار الأحكام، وتردد البرلمانيون في سن القوانين، وأحجم الوزراء عن تنفيذها، فإن النتيجة الحتمية هي تقويض أسس الديمقراطية.

وفي النهاية، تبرز هذه الشهادة كتنبيه خطير إلى أن العدالة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها الخوف، وأن استقلال القضاء ليس مجرد مبدأ نظري، بل شرط أساسي لضمان توازن السلطة وحماية الحقوق.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *