رصد المغرب/ محمد بنعياد*
لا يكاد يمر عقد من الزمن إلا وتتغير خريطة القوة في العالم؛ دول كانت في صدارة المشهد تتراجع، وأخرى كانت في الهامش تتقدم، وتحالفات تنشأ ثم تتفكك، وقوى تصعد بينما تخبو أخرى، وكلما وقع تحول من هذا القبيل، انشغل المحللون بالبحث عن أسبابه: الاقتصاد، والتكنولوجيا، والقدرات العسكرية، والتحالفات الدولية، والقيادات السياسية، وهي عوامل لا يمكن إنكار أثرها، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير حركة التاريخ.
فالقرآن الكريم يدعونا إلى قراءة أعمق، لا تتوقف عند الأسباب المباشرة، وإنما تنفذ إلى القوانين التي تحكم حركة الأمم، وفي مقدمتها سنة التداول، التي عبّر عنها بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾(آل عمران: 140)
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه الآية أن الله سبحانه نسب التداول إلى نفسه، فلم يقل: وتلك الأيام تتداول بين الناس، وإنما قال: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾. وهذه الدقة في التعبير القرآني تكشف أن تغير موازين القوة بين الأمم ليس فوضى تاريخية، ولا حركة عمياء، وإنما هو سنة ربانية يجريها الله بحكمته وعدله، وفق نظام الأسباب الذي أقامه في الكون والمجتمع.
وهذا المعنى لا يقتصر على سنة التداول وحدها، بل يتكرر في عدد من السنن الكبرى، ففي سنة التدافع يقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، وفي سنة الاستبدال يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. فالفاعل في هذه السنن هو الله عز وجل، لكنها لا تجري اعتباطًا، بل وفق أسباب وشروط وموانع، حتى تظل مسؤولية الإنسان قائمة، ويبقى التكليف والعمل أساسًا في بناء الحضارات أو سقوطها.
ومن هنا، فإن سنة التداول لا تعني أن القوة تنتقل من أمة إلى أخرى بلا سبب، ولا أن الضعف قدرٌ محتوم لا سبيل إلى دفعه، وإنما تعني أن الله يجري التداول بين الناس بحسب ما يحققونه من أسباب العمران أو الهدم، والإصلاح أو الفساد، والعدل أو الظلم، فالسنن الربانية لا تحابي أحدًا، ولا تمنح أمةً امتيازًا دائمًا، وإنما تجعل البقاء للأمم التي تحسن القيام بأسباب النهضة، وتراجع من يفرط فيها،
ولذلك فإن القرآن لا يربط النصر بالشعارات، ولا الهزيمة بالأمنيات، بل يربطهما بالسنن. ففي أعقاب غزوة أحد، لم يكتف القرآن بتعزية المؤمنين، بل وجّه أنظارهم إلى القانون الذي يحكم حركة التاريخ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. وكأن الرسالة تقول: إن الهزيمة ليست نهاية الطريق، كما أن النصر ليس ضمانًا دائمًا، وإنما كلاهما مرتبط بالأسباب التي وضعها الله في سننه.
وهذا الفهم يحرر العقل من قراءتين متقابلتين لا تقل إحداهما خطرًا عن الأخرى، الأولى تُرجع كل شيء إلى المصادفات والمؤامرات، حتى يصبح الإنسان معطل الإرادة، ينتظر ما يفعله الآخرون، والثانية تنظر إلى الأسباب المادية وكأنها مستقلة عن إرادة الله وحكمته، أما المنهج القرآني، فيجمع بين الأمرين؛ فيؤكد أن الله هو الذي يجري السنن، وأنه سبحانه جعل لهذه السنن أسبابًا، فمن أخذ بها جنى ثمارها، ومن أعرض عنها تحمل نتائج ذلك.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمم هو الغرور بقوتها، والاعتقاد أن ما وصلت إليه سيبقى إلى الأبد، فالقرآن يعلمنا أن القوة إذا انفصلت عن العدل، وأن الحضارة إذا فقدت قيمها، وأن الدولة إذا أهملت بناء الإنسان، فإن عوامل التراجع تبدأ في العمل، ولو لم تظهر نتائجها مباشرة، وفي المقابل، فإن الأمم التي تراجع نفسها، وتصحح أخطاءها، وتستثمر في الإنسان والعلم والمؤسسات، تضع أقدامها على طريق النهوض، ولو كانت تمر بمرحلة ضعف.
وهكذا يتحول فقه السُّنن من مجرد تفسير لما وقع، إلى منهج في استشراف ما يمكن أن يقع، فالمستقبل لا يُقرأ من خلال الأمنيات، ولا من خلال الانفعالات، وإنما من خلال فهم الأسباب التي تقود إلى النتائج، وهذه هي قيمة سنة التداول؛ فهي لا تدعونا إلى انتظار تغير الأيام، بل إلى صناعة الأسباب التي يُجري الله بها هذا التغيير.
إن عالمنا اليوم، بما يشهده من تحولات متسارعة، أحوج ما يكون إلى هذا الوعي القرآني، فالأمم التي تريد الحفاظ على قوتها لا يكفيها أن تراقب ما يجري حولها، بل عليها أن تراجع باستمرار مدى وفائها بأسباب البقاء والتقدم، والأمم التي تسعى إلى النهوض لا ينبغي أن تجعل من واقعها الحالي قيدًا على مستقبلها، لأن سنة التداول تعلمنا أن التاريخ لا يعرف الجمود، وأن الله يغيّر موازين القوة حين تتغير أسبابها.
ولعل أعظم رسالة تحملها هذه السنة هي أن القوة ليست ملكًا لأحد، وأن الضعف ليس قدرًا أبديًا، وأن الله تعالى هو الذي يُداول الأيام بين الناس، بعدله وحكمته، ليبقى التاريخ شاهدًا على أن من أخذ بالسنن ارتقى، ومن أعرض عنها تراجع، وأن الهداية القرآنية ليست لقراءة الماضي فحسب، بل لبناء المستقبل أيضًا.
*محمد بنعياد
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط
شارك المقال























Leave a Reply