رصد المغرب / عبدالحميد الإدريسي /
ليس من السهل أن يستيقظ الإنسان ذات صباح ليجد أن مصدر رزقه قد انتهى، وأن سنوات من العمل والعطاء أصبحت مجرد ذكرى، دون إنذار مسبق، ودون تعويض، ودون أي أفق واضح للمستقبل. هذا هو الواقع المرير الذي يعيشه ما يقارب ثلاثين عاملا بإحدى مؤسسات التعليم العتيق التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمدينة الرشيدية، بعد قرار إغلاق المؤسسة، وفق ما يؤكده المتضررون.
وراء هذا الرقم البسيط في ظاهره، تقف ثلاثون أسرة تواجه اليوم شبح البطالة والفقر، وعشرات الأطفال والنساء والآباء الذين أصبحوا يدفعون ثمن قرار لم يكونوا طرفا فيه. فهؤلاء العمال ليسوا مجرد أرقام في ملف إداري، بل مواطنون أفنوا سنوات من حياتهم في خدمة مؤسسة تربوية، وكان من حقهم أن يحظوا بمعاملة تحفظ كرامتهم وحقوقهم، لا أن يتركوا لمواجهة مصيرهم في صمت.
والمؤلم أكثر أن عددا كبيرا من هؤلاء المتضررين يحملون مؤهلات علمية عليا، فمنهم حملة الإجازة والماستر، ومنهم باحثون في سلك الدكتوراه، اختاروا خدمة التعليم العتيق، إيمانا برسالته ومكانته. لكنهم اليوم يجدون أنفسهم بلا عمل، وبلا دخل، وبلا تعويض، في وقت تتزايد فيه أعباء الحياة وارتفاع تكاليف المعيشة.
إن أي مؤسسة عمومية، مهما كانت دوافع قراراتها، مطالبة باحترام البعد الاجتماعي والإنساني عند اتخاذ قرارات تمس أرزاق الناس. فإغلاق مؤسسة لا ينبغي أن يعني إغلاق أبواب الحياة في وجه العاملين بها، ولا أن يتحول إلى حكم بالإقصاء الاجتماعي على أسر بأكملها.
وتتداول أوساط المتضررين أخبارا مؤلمة عن أن أحد زملائهم قد أقدم على الانتحار بعد أن سدت في وجهه كل السبل إثر فقدانه لعمله. وإذا ثبتت صحة هذه المعطيات، فإن الأمر يتجاوز حدود ملف إداري ليصبح مأساة إنسانية تستوجب تحقيقا عاجلا ومحاسبة كل من ثبت تقصيره. وحتى في غياب تأكيد رسمي، فإن مجرد تداول مثل هذه الأخبار يعكس حجم المعاناة واليأس الذي يعيشه هؤلاء العمال.
إن الصمت الذي يلف هذا الملف يثير أكثر من علامة استفهام. أين الحوار؟ وأين المقاربة الاجتماعية؟ وأين حماية حقوق العاملين الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج دائرة الشغل؟ وهل أصبح العامل هو الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها تبعات كل قرار إداري؟
إن الرأي العام المغربي مدعو اليوم إلى الالتفات إلى هذه القضية، ليس دفاعا عن ثلاثين عاملا فقط، بل دفاعا عن مبدأ العدالة والكرامة واحترام الحقوق الاجتماعية. كما أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مطالبة بتوضيح ملابسات هذا الملف للرأي العام، وفتح باب الحوار مع المتضررين، وإيجاد حلول عملية تحفظ حقوقهم وتراعي أوضاعهم الإنسانية، سواء عبر التسوية القانونية، أو التعويض المستحق، أو توفير بدائل مهنية تضمن لهم ولأسرهم حياة كريمة.
فالكرامة لا تجزأ، والعدالة لا تكتمل إذا ترك أصحاب الحقوق يواجهون مصيرهم وحدهم. وما يحدث اليوم لهؤلاء العمال ليس مجرد قضية تشغيل، بل اختبار حقيقي لمدى احترام الحقوق الاجتماعية والإنسانية التي يكفلها الدستور المغربي، والتي لا ينبغي أن تبقى حبرا على ورق.
إن هذه الصرخة ليست موجهة ضد أحد، وإنما هي نداء من أجل الإنصاف، ورسالة إلى كل مسؤول بأن وراء كل قرار إداري إنسانا، وأسرة، ومستقبلا قد ينهار إذا غابت الحكمة، وغاب الحوار، وغابت العدالة.
شارك المقال























Leave a Reply