الذكاء الاصطناعي سيقضي على الحضارة كما نعرفها

رصد المغرب/مجلة اواصر 

في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “AI will dissolve civilisation as we know it” (الذكاء الاصطناعي سيقضي على الحضارة كما نعرفها)، يقول الفيلسوف السياسي الإنجليزي جون غراي إن الذكاء الاصطناعي اليوم يتجاوز بسرعة النقطة التي يستطيع البشر عندها فهمه أو التحكم فيه[[1]].

ويشير غراي إلى أن جيفري هينتون، العالم البريطاني الحائز على جائزة نوبل والمعروف بـ”الأب الروحي للذكاء الاصطناعي”، قد قدّر أن هناك احتمالًا بنسبة 10–20% أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى انقراض البشرية في غضون بضعة عقود. ويشير كذلك إلى أن الخبير البارز في مجال السلامة، مرينانك شارما، قد استقال مؤخرًا من شركة «أنثروبيك»، صاحبة منصة «كلود»، وحذّر في رسالة استقالته من أن “العالم في خطر”.

ولكن في المقابل، ثمة رواد في مجال الذكاء الاصطناعي من أصحاب الرؤية المتفائلة بهذا الخصوص، ويبرز من بينهم الأكاديمي ورائد الأعمال البريطاني، الحائز على جائزة نوبل، ديميس هاسابيس.

واستنادًا إلى مئات الساعات من المقابلات مع هاسابيس ودائرة أصدقائه ومعارفه، يقدّم الكاتب سيباستيان مالابي في كتابه «آلة اللانهاية» صورةً شاملةً لرؤية هاسابيس وأفكاره في هذا الصدد، ومن بينها اعتقاده أن تعقيد التحديات الملحّة التي تواجه المجتمعات العالمية قد تجاوز نطاق القدرات البشرية، وأن «الذكاء الاصطناعي العام» [[2]هو الحل لهذه المشكلة.

لكن قضية “حل المشكلات” تتضح حدودها عند النظر إلى ما هو أبعد من الاقتصاد. فعلى سبيل المثال، عند النظر إلى معدلات الطلاق وتفكك الأسر وعلاقة ذلك بمسألة تمكين المرأة، نجد أن ما يُعد “مشكلة” هنا قد يرتبط بأمور تتضمن أحكامًا قيمية، لا مجرد حقائق موضوعية؛ فقد يُبسّط «الذكاء الاصطناعي العام»الإدارة ويقدّم الخدمات بكفاءة أكبر في البيروقراطيات المعقّدة، مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية، غير أنه لا يمكنه حل القضايا الأخلاقية المتعلقة بقيمة الحياة أو حدود الاختيار. والصعوبة هنا ليست في التعقيد، بل في أن صراعات القيم ليست مشكلات قابلة للحل تقنيًا.

ويمثل ظهور «الذكاء الاصطناعي العام»كذلك صدمةً اجتماعيةً وسياسيةً، تنبع من حقيقة أن الذكاء البشري يفقد قيمته النادرة. فأصحاب المهن القائمة على النشاط الذهني يشبهون اليوم عمال المزارع الذين أُجبروا على ترك وظائفهم بسبب الجرارات خلال الثورة الصناعية، ولكن بوتيرة أسرع بكثير. وبدلًا من أن يبشّر الذكاء الاصطناعي بـ”عصر الوفرة”، كما وعد به مستشرفو المستقبل في وادي السيليكون، فإنه ينذر بعصر جديد من الفقر المدقع.

ويمتد الاستغناء عن العنصر البشري ليشمل العلاقات الشخصية أيضًا. فبرامج الدردشة الآلية، المتاحة دائمًا، والتي لا تتذمر أبدًا، والتي تبدو مجانية، تملأ فراغًا كان يشغله الأصدقاء وشركاء الحياة والمعالجون النفسيون.

وبينما يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عيشنا، فإنه يقوّض كذلك إحساسنا بالواقع، بسبب تزايد صعوبة التمييز بين الحقيقة والخيال، في ظل انتشار تقنيات التزييف العميق.

وكما هو متوقع، ثمة حركة متنامية اليوم تكرّس جهودها لـ”إيقاف” الذكاء الاصطناعي. ففي فبراير 2024، قيّد نشطاء يطالبون بحظر عالمي لأبحاث الذكاء الاصطناعي العام أنفسهم أمام مقر شركة OpenAI في سان فرانسيسكو. كما صدرت دعوات من داخل القطاع نفسه؛ ففي مارس 2023، وقّع أكثر من ألف شخص — بمن فيهم إيلون ماسك — رسالةً مفتوحةً تطالب بالتريث، جاء فيها: “هل ينبغي لنا تطوير عقول غير بشرية قد تفوقنا عددًا وذكاءً، وتُقصينا، وتحل محلنا؟”. كما حضر قادة شركات الذكاء الاصطناعي إلى البيت الأبيض في يوليو/تموز من ذلك العام للتوقيع على التزامات طوعية غير ملزمة لإعطاء الأولوية للسلامة والشفافية.

وفي ختام مقاله، ينقل غراي عن هاسابيس اعترافه بأنه لا يزال يخشى من شبح روبرت أوبنهايمر، الذي صنع القنبلة الذرية لمنع انتصار الوحشية النازية، لكنه انتهى إلى ابتكار سلاح قادر على إبادة جزء كبير من البشرية.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *