فقه السنن الربانية 4 السنن الربانية… هل تقرأ المستقبل أم تستشرف المآلات؟

رصد المغرب/ محمد بنعياد* 

كلما اندلعت حرب، أو سقط نظام، أو تغيرت موازين القوى، انطلقت التوقعات من كل اتجاه. يتحدث بعضهم بثقة عن نهاية الصراع، ويجزم آخرون بانتصار هذا الطرف أو ذاك، حتى أصبح الحديث عن المستقبل أقرب إلى التخمين منه إلى التحليل.

غير أن القرآن الكريم يقدم لنا منهجًا مختلفًا. فهو لا يفتح باب ادعاء معرفة الغيب، لأن الغيب مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولكنه في المقابل لا يدعونا إلى الاستسلام للجهل بالمآلات، بل يرشدنا إلى قراءة الواقع من خلال السُّنن الربانية التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ.

وهنا يبرز الفرق بين التنبؤ بالغيب واستشراف المآلات.

فالتنبؤ بالغيب هو ادعاء معرفة ما سيقع على وجه الجزم، وهذا مما نفاه القرآن عن البشر جميعًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

أما استشراف المآلات، فهو اجتهاد يقوم على دراسة الأسباب القائمة، واستحضار السنن الربانية، ومحاولة فهم الاتجاهات العامة التي قد تؤول إليها الأحداث، دون ادعاء القطع بنتائجها. فهو قراءة علمية منضبطة، لا تنبؤ غيبي.

إن القرآن نفسه يدعو إلى هذا النوع من التفكير. فهو لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يكشف القوانين التي أنتجتها، حتى يتعلم الإنسان كيف يقرأ الحاضر، ويستعد للمستقبل. ولذلك جاءت السنن الربانية مرتبطة بالأسباب، وجعل الله تحققها منوطًا بشروطها وانتفاء موانعها.

ومن هنا، فإن فقه السُّنن لا يجيب عن سؤال: ماذا سيحدث غدا؟ بقدر ما يجيب عن سؤال أكثر عمقًا: إلى أين يمكن أن تقودنا الأسباب التي نراها اليوم؟

وقد شهد التاريخ القريب نماذج تؤكد أهمية هذه القراءة. فالتجربة الأفغانية، على اختلاف المواقف منها، أبرزت أن موازين القوى ليست ثابتة، وأن صراعًا طويلًا قد ينتهي بنتائج لم تكن متوقعة في بداياته. كما أن ما شهدته سوريا من تحولات متسارعة خلال السنوات الأخيرة يبين أن الواقع السياسي والعسكري يظل قابلًا للتغير متى تبدلت موازين القوى، وتغيرت العوامل المؤثرة في مسار الأحداث.

ولا يُقصد من الاستشهاد بهذه النماذج إصدار أحكام نهائية عليها، ولا اختزالها في سبب واحد، فكل تجربة تاريخية تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية ودولية. وإنما المقصود التنبيه إلى أن التحولات الكبرى لا تقع فجأة، بل تسبقها مقدمات تتراكم عبر الزمن، حتى تأتي لحظة تظهر فيها آثار تلك الأسباب.

وانطلاقًا من هذا المنهج، يمكن للباحث أن يستشرف الاتجاهات العامة في مناطق ما تزال تشهد تحولات عميقة، كاليمن ومنطقة الساحل والصحراء. غير أن هذا الاستشراف لا يعني الجزم بما ستؤول إليه الأحداث، لأن السنن الربانية نفسها لا تعمل إلا باكتمال أسبابها وشروطها، وقد تعترضها موانع أو تنشأ أسباب جديدة تغير مسار الوقائع.

ولهذا، فإن القراءة السننية لا تقول: “سيحدث كذا”، وإنما تقول: “إذا استمرت هذه الأسباب، ولم تظهر موانع أقوى، فإن الاتجاه الغالب قد يكون كذا”. وهذا فرق جوهري بين منهج علمي يسترشد بالسنن، ومنهج يقوم على التوقع المجرد أو الأمنيات.

إن السنن الربانية تعلمنا أن التاريخ لا يصنعه عامل واحد، ولا يتحرك بخط مستقيم، وإنما هو نتاج تفاعل مركب بين الإيمان والعمل، والقوة والضعف، والعدل والظلم، والإعداد والتقصير. ومن يغفل هذا التعقيد يخطئ في فهم الواقع، ويبالغ في الثقة بتوقعاته.

ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم هو الانتقال السريع من حدث إلى آخر دون محاولة اكتشاف القوانين التي تحكم هذه الأحداث. فالإعلام ينقل الوقائع، والتحليل السياسي يفسر جانبًا منها، أما فقه السُّنن فيبحث عن الأسباب العميقة التي تنتجها، ويجعل من كل حدث فرصة لاستخلاص قانون، ومن كل تحول بابًا لفهم سنة من سنن الله في التاريخ.

إن عالمنا لا يحتاج إلى مزيد من المنجمين، بل إلى عقول تعرف كيف تقرأ الواقع في ضوء الهداية القرآنية، فتفرق بين الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وبين المآلات التي يمكن استشرافها من خلال دراسة الأسباب والسنن.

وهنا تتجلى عظمة القرآن؛ فهو لا يعلم الإنسان أن ينتظر المستقبل، بل أن يصنع أسبابه. ولا يدعوه إلى الانشغال بما خفي عنه، بل إلى إصلاح ما هو بين يديه. ومن أدرك هذه الحقيقة، علم أن السنن الربانية ليست وسيلة لمعرفة الغيب، وإنما منهج لبناء المستقبل، من خلال فهم الحاضر، والعمل بأسباب التغيير التي أودعها الله في الكون والمجتمع.

محمد بنعياد*
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *