تقرير أممي ينتقد مشروع قانون المحاماة بالمغرب. وتحذيرات من المساس باستقلال المهنة وضمانات المحاكمة العادلة

رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي /


أعاد مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى الواجهة النقاش حول مدى انسجام التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، وذلك بعد أن وجهت المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، مارغريت ساترثويت، مراسلة رسمية إلى الحكومة المغربية تضمنت سلسلة من الملاحظات الجوهرية بشأن عدد من مقتضيات المشروع، معتبرة أن بعضها يثير مخاوف تتعلق باستقلال مهنة المحاماة والحق في محاكمة عادلة.

وتأتي هذه المراسلة في سياق تزايد الجدل الذي أثاره المشروع داخل الأوساط المهنية والحقوقية، حيث سبق لهيئات المحامين وجمعيات حقوقية أن عبرت عن تحفظاتها بشأن عدد من مواده، قبل أن تنضم آلية أممية مستقلة إلى هذا النقاش من خلال تقييم قانوني يستند إلى الاتفاقيات الدولية والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين.

ومن أبرز المؤاخذات التي أثارتها المقررة الأممية، المواد من 10 إلى 15، التي تمنح السلطة الحكومية المكلفة بالعدل صلاحيات واسعة في مجال تكوين المحامين وتدريبهم وتقييمهم، معتبرة أن هذا التوجه يقوض مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، الذي يعد أحد الضمانات الأساسية لاستقلال المحاماة، ويقتضي أن تضطلع المؤسسات المهنية بتدبير شؤونها بعيدا عن أي تدخل من السلطة التنفيذية.

كما سجلت المقررة ملاحظات بشأن المواد من 90 إلى 100، التي تخضع بعض قرارات هيئات المحامين لآليات الرقابة الإدارية، معتبرة أن هذه المقتضيات تحد من استقلال المؤسسات المهنية وتضعف قدرتها على ممارسة اختصاصاتها باستقلالية.

وفي ما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، انتقدت المادة 38 من المشروع، التي تقلص الحالات التي يكون فيها حضور المحامي إلزاميا، معتبرة أن ذلك قد يؤثر على حق المتقاضين في الدفاع ويخل بمبدأ تكافؤ الوسائل بين أطراف الدعوى. واستحضرت في هذا السياق التعليق العام رقم 32 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الذي يؤكد أن الحق في الاستعانة بمحام من اختيار الشخص يمثل إحدى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وأن المحامين يجب أن يتمكنوا من أداء مهامهم باستقلال تام، ودون أي ضغوط أو تدخلات أو قيود غير مبررة.

وأكدت المقررة أيضا أن المحامي الذي تعينه الدولة للدفاع عن المتهم ينبغي أن يكون قادرا على تقديم دفاع فعال، مع ضمان ولوجه إلى جميع الوثائق والأدلة التي تعتزم النيابة العامة الاعتماد عليها، باعتبار ذلك من الشروط الأساسية لاحترام حقوق الدفاع.

وفي جانب آخر، عبرت المقررة عن قلقها من المواد 72 إلى 75 المتعلقة بتفتيش مكاتب المحامين، معتبرة أن الصياغة الحالية لا توفر ضمانات كافية لحماية السر المهني، الذي يشكل أحد المبادئ الجوهرية في العلاقة بين المحامي وموكله، ويضمن سرية الاستشارات القانونية والثقة المتبادلة بين الطرفين.

كما انتقدت المواد من 60 إلى 70 الخاصة بالمساطر التأديبية، والتي تمنح النيابة العامة دورا رئيسيا في تحريك ومتابعة الإجراءات التأديبية ضد المحامين، معتبرة أن ذلك يتعارض مع المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، التي تشدد على أن التأديب يجب أن يتم أمام هيئات مستقلة داخل نقابات المحامين أو أمام سلطة قانونية مستقلة أو محكمة، مع ضمان الحق في الطعن أمام هيئة قضائية مستقلة.

وفي ما يتعلق بحرية التعبير، اعتبرت المقررة أن المادة 110 وما يليها تفرض قيودا على التعبير المهني للمحامين داخل الفضاءات القضائية، في حين تنص المبادئ الأساسية للأمم المتحدة على تمتع المحامين بالحصانة المدنية والجنائية عن التصريحات التي يدلـون بها بحسن نية أثناء المرافعات أو خلال ممارستهم لمهامهم المهنية. كما أكدت أن للمحامين الحق في التعبير عن آرائهم، والمشاركة في النقاشات المتعلقة بالقانون وإدارة العدالة وحقوق الإنسان، والانخراط في الجمعيات والمنظمات المهنية والحقوقية، دون التعرض لأي تضييق بسبب أنشطتهم المشروعة.

ولم تغفل المقررة واقع المهنة بالمغرب، إذ أوصت بمعالجة النقص المسجل في عدد المحامين مقارنة بعدد السكان، محذرة من أن هذا الخصاص قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الخدمات القانونية وإضعاف ولوج المواطنين إلى العدالة. وأشارت إلى أن رفع شرط الولوج إلى المهنة من الإجازة إلى شهادة الماستر، مع تحديد عدد المقبولين سنويا في المعهد الجديد في 150 مترشحا فقط، قد يفاقم هذا الوضع، كما قد ينعكس على مهن قانونية أخرى، من قبيل التوثيق والمفوضين القضائيين والخبراء القضائيين.

ويرى متابعون أن ملاحظات المقررة الخاصة لا تمثل موقفا سياسيا، وإنما تندرج ضمن اختصاصات آليات الإجراءات الخاصة التابعة لمجلس حقوق الإنسان، التي تتولى تقييم مدى توافق مشاريع القوانين مع الالتزامات الدولية للدول الأعضاء. حيث من المنتظر أن تثير هذه الملاحظات نقاشا واسعا داخل البرلمان والأوساط القانونية، خاصة مع استمرار دراسة مشروع القانون، وما قد يرافق ذلك من تعديلات محتملة على عدد من مواده.

وتضع هذه المراسلة السلطات المغربية أمام اختبار تشريعي مهم، يتمثل في التوفيق بين تحديث الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة والاستجابة للمعايير الدولية المتعلقة باستقلال المهنة، وحماية حقوق الدفاع، وضمان الولوج العادل والفعال إلى العدالة، باعتبار المحاماة أحد الأعمدة الأساسية لدولة الحق والقانون.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *