لماذا تتكرر خيبة الناخب المغربي بين وعود السياسة وواقع السلطة؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


ليست أزمة السياسة في المغرب مرتبطة فقط بتراجع المشاركة الانتخابية أو ضعف أداء الأحزاب، بل هي أزمة ثقة تراكمت عبر عقود، حتى أصبح جزء مهم من الرأي العام ينظر إلى الانتخابات باعتبارها محطة لا تحدث التغيير الذي يعد به السياسيون، حيث مع كل استحقاق انتخابي تتجدد الوعود، وترتفع سقوف الخطاب السياسي، لكن ما إن تعلن النتائج وتتشكل الحكومة حتى يتبدل الخطاب، وتتراجع الشعارات، ويجد المواطن نفسه أمام السياسات نفسها التي سبق أن رفعت ضدها شعارات الرفض أثناء الحملات الانتخابية.

ولعل أفضل تعبير عن هذا التحول، وهو ما ذكره الأستاذ والذكتور إدريس الكنبوري، وهو ما جسده الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس في مسرحيته الشهيرة «الفيل يا ملك الزمان»، حيث في المسرحية يتفق سكان قرية أنهكهم بطش فيل الملك على الذهاب إلى القصر للمطالبة بوضع حد لمعاناتهم، لكنهم بمجرد الوقوف أمام الملك يتراجعون عن مطلبهم الأساسي، ويقترحون تزويج الفيل بدلا من التخلص منه.

إنها صورة رمزية تختزل ما يحدث في الحياة السياسية، فالأحزاب وهي في المعارضة تبدو أكثر جرأة في النقد، وأكثر تشددا في الدفاع عن مطالب المواطنين، لكنها عندما تقترب من السلطة أو تصبح جزءا منها، يتغير خطابها، وتتحول من موقع الاحتجاج إلى موقع التبرير، وكأن الاقتراب من مراكز القرار يفرض عليها منطقا جديدا يختلف تماما عن خطابها السابق.

هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بتغير القناعات أو بضرورات التدبير الحكومي، بل يرتبط أيضا بطبيعة توزيع السلطة داخل النظام السياسي المغربي، حيث منذ عقود، ظلت الدولة تحتفظ بالدور الحاسم في رسم التوجهات الاستراتيجية والسياسات الكبرى، بينما تتحرك الحكومات والأحزاب داخل هامش محدود، وهو ما جعل مفهوم “حكومة جلالة الملك” يعكس، لدى عدد من الباحثين والمتابعين، واقعا يتمثل في أولوية خيارات الدولة الكبرى على البرامج الحزبية. وفي ظل هذا التوازن، تجد الأحزاب نفسها عاجزة عن تنفيذ جزء مهم من التزاماتها الانتخابية، لتتحول برامجها تدريجيا إلى وثائق انتخابية أكثر منها مشاريع حكم قابلة للتنفيذ.

وقد برز هذا الواقع بوضوح في تجربة حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، ممثلا لـحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث الحزب الذي بنى جزءا كبيرا من خطابه التاريخي على الدفاع عن القطاع العام والعدالة الاجتماعية، وجد نفسه يشرف على سياسات من أبرزها خوصصة مؤسسات استراتيجية مثل اتصالات المغرب، كما اتسمت تلك المرحلة بدرجة عالية من التحفظ بشأن كواليس صناعة القرار، وهو ما أثار آنذاك نقاشا واسعا حول حدود الشفافية داخل التجربة الحكومية.

وتكرر المشهد بعد دستور 2011 مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة، حيث دخل الحزب إلى السلطة ببرنامج انتخابي يحمل وعودا بالإصلاح، غير أن حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني انتهتا إلى تبني وتمرير عدد من السياسات والقرارات الاستراتيجية التي لم تكن منسجمة مع أدبيات الحزب أو مع الخطاب الذي قدمه للناخبين، وهو ما عمق الإحساس بأن نتائج الانتخابات لا تعني بالضرورة امتلاك السلطة الكاملة لتنفيذ البرامج المعلنة.

وكانت النتيجة الطبيعية لهذا المسار تراجع الثقة في الأحزاب السياسية، واتساع دائرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، بعدما ترسخ لدى فئات واسعة من المواطنين الاعتقاد بأن الأحزاب، مهما اختلفت مرجعياتها، تنتهي إلى تطبيق السياسات نفسها. كما أن محدودية آليات المحاسبة، في ظل استمرار تأثير الأعراف السياسية والمؤسسات غير المنتخبة في صناعة القرار، تجعل من الصعب تحديد المسؤوليات السياسية بشكل واضح، وهو ما ينعكس سلبا على جودة الممارسة الديمقراطية.

إن استعادة الثقة في السياسة لا يمكن أن تتحقق بمجرد تغيير الوجوه أو تجديد الخطابات، بل تقتضي إعادة تحديد العلاقة بين الدولة والأحزاب على أساس من الوضوح والشفافية، بما يضمن انسجام البرامج الحكومية مع الإرادة الشعبية، ويمنح الناخب إمكانية محاسبة من اختاره على أساس ما التزم به أمام المواطنين. فبدون وضوح في المسؤوليات وحدود السلطة، ستظل الانتخابات معرضة لإنتاج الخيبة نفسها، وستظل السياسة تدور في الحلقة ذاتها، مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت الشعارات.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *