فقه السُّنن الربانية(5) ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾… كيف يجمع القرآن بين السنن الربانية والمشيئة الإلهية؟

رصد المغرب/محمد بنعياد* 

لماذا ينتصر قومٌ ويُهزم آخرون؟ وهل يكفي أن نُرجع النصر إلى كثرة العدد، أو تفوق السلاح، أو براعة الخطط العسكرية؟ أم أن القرآن يدعونا إلى قراءة أعمق، تجعل النصر جزءًا من منظومة ربانية تحكم حركة التاريخ؟

كثيرًا ما يُقدَّم النصر في الخطاب المعاصر بوصفه نتيجةً مباشرة للتفوق المادي، بينما يذهب بعض الناس إلى الطرف المقابل، فيتعاملون معه وكأنه يقع بمجرد التمني والدعاء، بعيدًا عن الأخذ بالأسباب، غير أن القرآن الكريم يرفض هذين التصورين، ويقدم رؤية متوازنة تجمع بين الإيمان بمشيئة الله، والالتزام بالسنن التي أودعها في الكون والمجتمع.

ومن أروع المواضع التي تجلت فيها هذه الرؤية مطلع سورة الروم، حيث يقول الله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

هذه الآيات لا تروي حدثًا تاريخيًا فحسب، بل تؤسس لرؤية قرآنية متكاملة في فهم النصر، فهي تبدأ بوصف واقع قائم، ثم تكشف عن مآله، ثم تعيد الأمر كله إلى الله سبحانه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، وتقرر أن النصر في حقيقته هو ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾، وأنه سبحانه ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.

وقد يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: إذا كان الله ينصر من يشاء، فلماذا أمر بالإعداد؟ ولماذا دعا إلى الصبر، والثبات، والإصلاح، وربط النتائج بالأسباب؟

والجواب أن القرآن لا يجعل المشيئة الإلهية بديلًا عن السنن، كما لا يجعل السنن مستقلة عن المشيئة، بل يقرر أن الله سبحانه هو الذي خلق الأسباب، وأقام السنن، وأجرى مشيئته من خلالها، ولذلك يأمر بالإعداد، فيقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ويجعل النصر مرتبطًا بالقيام بحقوق الإيمان: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، ويقرر أن التغيير يبدأ من داخل الإنسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

إن هذه الآيات ليست متفرقة، بل تشكل بناءً واحدًا؛ فالإعداد سبب، والصبر سبب، والإصلاح سبب، لكنها جميعًا لا تؤتي ثمارها إلا بإذن الله، لأن النصر في نهاية المطاف فضل منه سبحانه، يمنحه بحكمته لمن تحققت فيه أسباب استحقاقه.

ومن هنا نفهم سر التعبير القرآني في السنن الكبرى؛ فالقرآن لا يقول: “تتداول الأيام بين الناس”، وإنما يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ولا يقول: “يتدافع الناس”، وإنما يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، ولا يقول: “يتغير قوم بغيرهم”، وإنما يقول: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. فالسنن تُنسب إلى الله؛ لأنه هو الذي أودعها في الكون، وهو الذي يجريها بحكمته وعدله.

وهنا تتجلى حقيقة منهجية ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا: ليست السنن الربانية قوانين مستقلة عن إرادة الله، وليست المشيئة الإلهية إلغاءً للأسباب، بل إن الله شاء أن تكون مشيئته في النصر جاريةً عبر سننه، وأن تكون سننه خاضعةً لمشيئته.

إن هذا الفهم يحرر المسلم من وهمين متقابلين؛ وهم الاعتماد المطلق على الأسباب حتى ينسى رب الأسباب، ووهم انتظار النصر دون إعداد أو إصلاح أو عمل، فالقرآن يربي المؤمن على أن يبذل كل ما يستطيع، ثم يوقن أن النتائج بيد الله وحده.

ولذلك فإن بناء القوة، وإعداد الإنسان، وإقامة العدل، وإصلاح المجتمع، ليست أعمالًا منفصلة عن الإيمان، بل هي من مقتضياته؛ لأنها تمثل امتثالًا للسنن التي أمر الله بالأخذ بها، فإذا اجتمع صدق التوكل مع صدق العمل، كان الإنسان قد سلك الطريق الذي رسمه القرآن، دون أن يدعي لنفسه استحقاق النصر، أو يغفل أن الفضل كله لله.

وهكذا يضع القرآن بين أيدينا معادلة متوازنة: الأخذ بالأسباب عبادة، وفهم السنن حكمة، والإيمان بأن النصر من عند الله عقيدة،ومن جمع بين هذه الثلاثة، أدرك أن النصر ليس ثمرة القوة وحدها، ولا نتيجة الأمنيات، وإنما هو فضل من الله، يجريه عبر سننه التي لا تتبدل، وحكمته التي لا تتخلف.

محمد بنعياد
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط

هذه المقالة هي الخامسة ضمن سلسلة: «فقه السُّنن الربانية: قراءة قرآنية في الواقع المعاصر».

 

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *