رصد المغرب /
لم يعد أكثر ما يثير القلق في الحملات الانتخابية هو حجم الوعود الكاذبة، بل الطريقة التي يقدم بها المرشح نفسه للجمهور. فبدلا من أن ينافس ببرنامجه، وكفاءته، ورؤيته لإدارة الشأن العام، أصبح كثير من المرشحين يتسابقون في استعراض التفاهة، ومغازلة الغرائز، وتقديم عروض أقرب إلى الترفيه منها إلى العمل السياسي، وكأن الطريق إلى صناديق الاقتراع لا يمر عبر عقول الناخبين، بل عبر إثارة الانتباه بأي وسيلة.
إن هيمنة الشعبوية على المشهد الانتخابي ليست صدفة، بل هي نتيجة قناعة ترسخت لدى عدد من الأحزاب والمرشحين بأن الناخب لم يعد يبحث عن رجل دولة، وإنما عن شخصية قريبة من يومياته، حتى لو كان ذلك على حساب الوقار والكفاءة والجدية. وهكذا تحولت السياسة، في كثير من الأحيان، إلى سباق في إطلاق الشعارات السطحية، وإنتاج المقاطع المثيرة، واستعراض البساطة المصطنعة، بينما تهمش القضايا الحقيقية التي تمس مستقبل البلاد.
ويبقى السؤال المطروح، هو إلى متى سيظل هذا الأسلوب هو القاعدة؟ وهل أصبح الاستخفاف بعقل المواطن الوسيلة الأكثر ضمانا لحصد الأصوات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الخاسر الأكبر ليس منافسا سياسيا، بل الديمقراطية نفسها، التي تفقد معناها عندما يتحول الاختيار إلى منافسة في الشعبوية بدلا من التنافس في الكفاءة.
ومن المشروع أيضا أن نطرح سؤال، وهو هل كان يمكن أن تنجح هذه الوصفة في مجتمعات غربية ذات تقاليد ديمقراطية راسخة؟ لا شك أن الشعبوية موجودة هناك أيضا، وقد حققت نجاحات في بعض الدول، لكنها كثيرا ما تواجه تدقيقا إعلاميا ومؤسساتيا ورقابة مجتمعية تحد من قدرتها على الاستمرار إذا أخفقت في تقديم نتائج أو فقدت ثقة الناخبين. أما حين تصبح الشعبوية هي القاعدة، ويكافأ الخطاب السطحي على حساب المشروع السياسي، فإن الحياة الديمقراطية تدخل مرحلة من التراجع المقلق.
إن المغرب يحتاج اليوم إلى منافسة بين الأفكار لا بين المؤثرات، وبين البرامج لا بين المشاهد الاستعراضية، وبين رجال ونساء دولة يحملون حلولا واقعية، لا شخصيات تجيد صناعة الفرجة. فالناخب يستحق أن يخاطَب بعقله، لا أن يستدرج بعواطفه أو يستخف بوعيه.
إن إصلاح الحياة السياسية لا يبدأ بتغيير القوانين وحدها، بل يبدأ باستعادة احترام عقل المواطن، وإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها مسؤولية وطنية، لا عرضا شعبويا مؤقتا ينتهي بانتهاء موسم الانتخابات.
شارك المقال






















Leave a Reply