الاحتجاج الأخير قبل الحرية

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

تتمثل القضية المركزية في البيان الذي اصدره الدكتور محمد حقيقي  ممثل الرابطة العالمية للحقوق والحريات بالمغرب ونائب الرئيس في استمرار إضراب السجين عن الطعام منذ 22 يونيو 2026، وهو ما يضع الإدارة السجنية أمام التزام قانوني مضاعف: احترام حق السجين في الاحتجاج السلمي من جهة، واتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية حياته وسلامته الجسدية من جهة أخرى، دون اللجوء إلى أي معاملة مهينة أو عقابية بسبب اختياره الإضراب.

كما يثير البيان ادعاءات تتعلق بالحرمان من العلاج والأدوية رغم معاناة السجين من أمراض مزمنة، وهو ما يستوجب،  مراجعة مدى احترام المؤسسة السجنية للحق في الرعاية الصحية باعتباره من الحقوق الأساسية التي لا يفقدها الشخص بمجرد دخوله السجن. فالقواعد الدولية تؤكد أن السجين يجب أن يستفيد من مستوى من الرعاية الصحية مماثل لذلك المتاح في المجتمع، دون تمييز.

ومن بين أخطر ما يتضمنه البيان الادعاء بوجود مضايقات وانتقام وتلفيق مخالفات تأديبية ومحاولة الاعتداء على السجين. ومثل هذه الادعاءات، بالنظر إلى خطورتها، تستوجب فتح تحقيق إداري أو قضائي مستقل يضمن الاستماع إلى جميع الأطراف، والاطلاع على السجلات الطبية والتأديبية، والاستماع إلى السجين بعيدا عن أي ضغوط محتملة، وذلك احتراما لمبادئ المحاكمة العادلة والإنصاف الإداري.

ويثير البيان كذلك مسألة العزل الانفرادي (الكاشو) ومنع الاتصال بالعائلة والحد من الزيارات. وإذا كانت الإدارة السجنية تملك صلاحية اتخاذ إجراءات تأديبية وفق القانون، فإن هذه الإجراءات يجب أن تكون مبررة، ومتناسبة، ومحددة المدة، وخاضعة للرقابة القانونية، وألا تتحول إلى وسيلة للعقاب خارج الضمانات التي يقررها القانون.

ومن الزاوية الحقوقية أيضا، فإن اقتراب السجين من إنهاء مدة محكوميته يفرض على الإدارة السجنية تعزيز منطق إعادة الإدماج بدل تغليب المقاربة العقابية، لأن فلسفة تنفيذ العقوبات في التشريعات الحديثة تقوم على التهيئة للإفراج والاندماج الاجتماعي، وليس على تصعيد التوتر بين المؤسسة والسجين.

ويحسب للبيان أنه لم يطالب بإصدار أحكام مسبقة ضد أي مسؤول، وإنما التمس فتح تحقيق وزيارة السجين والاستماع إليه، وهي مطالب تنسجم مع مبادئ الشفافية والمساءلة التي تقوم عليها آليات حماية حقوق الإنسان. كما أن استناده إلى القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) يعكس توجها نحو الاحتكام إلى المعايير الدولية التي تؤكد احترام الكرامة الإنسانية، وتوفير الرعاية الصحية، وضمان آليات فعالة لتقديم الشكاوى والتظلمات.

وفي المقابل، ومن مقتضيات الموضوعية الحقوقية، فإن الادعاءات الواردة في البيان تبقى في حاجة إلى التحقق من خلال تحقيق مستقل، لأن حماية حقوق الإنسان تشمل أيضا احترام قرينة الحياد وعدم ترتيب المسؤولية إلا بعد استكمال إجراءات البحث والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.

وعليه، فإن جوهر القراءة الحقوقية لهذا البيان يتمثل في أن القضية ليست مجرد نزاع بين سجين وإدارة مؤسسة سجنية، بل هي اختبار لمدى التزام المؤسسات المختصة بضمان الحقوق الأساسية للأشخاص المحرومين من الحرية، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية، والحق في الرعاية الصحية، والحق في تقديم الشكاوى دون التعرض لأي شكل من أشكال الانتقام، وهي حقوق تكفلها التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *