رصد المغرب/محمد بنعياد*
قراءة قرآنية في أسباب بقاء الدول وسقوطها.
كلما شهد العالم سقوط نظامٍ كان يُظن أنه راسخ، أو تجددت أزمةٌ ظن الناس أنها انتهت، عاد السؤال نفسه يتردد: لماذا تتكرر الأحداث على الرغم من كثرة العبر؟ ولماذا لا تتعلم الأنظمة من مصائر من سبقها؟
قد يبدو الجواب لأول وهلة أن التاريخ لا يُقرأ، أو أن دروسه تُنسى، غير أن القرآن الكريم يوجهنا إلى جواب أعمق من ذلك؛ فالمشكلة ليست في الجهل بالتاريخ وحده، وإنما في الغفلة عن السُّنن الربانية التي تحكم حركة التاريخ،
فالتاريخ في المنظور القرآني ليس هو الأصل، وإنما هو الميدان الذي تتجلى فيه سنن الله في الأمم، ولهذا لم يقص الله علينا أخبار عاد وثمود وفرعون وقارون وسبأ لمجرد المعرفة التاريخية، وإنما لنقرأ من خلالها القوانين الإلهية الثابتة التي لا تتبدل ولا تتحول.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من أصل منهجي مهم، وهو أن فقه السُّنن الربانية لا يبدأ من الواقع ليبحث له عن شاهد من القرآن، وإنما يبدأ من القرآن ليستخرج السنن الربانية، ثم يقرأ في ضوئها التاريخ والواقع، فالقرآن هو الذي يقود الفهم، والواقع هو مجال تطبيق هذا الفهم واختباره.
ولهذا يلفت القرآن أنظارنا إلى أن الاعتبار بالأمم السابقة ليس ترفًا فكريًا، وإنما ضرورة لبناء الوعي، قال تعالى:
﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾
فالقرآن لا يدعونا إلى حفظ أخبار الأمم، وإنما إلى فهم السنن التي حكمت مصائرها، لأن تلك السنن لا تختص بزمن دون زمن، ولا بأمة دون أخرى.
ومن أعظم تلك السنن أن الله تعالى جعل الإصلاح أساس البقاء، وجعل الفساد سببًا للهلاك، ولذلك كانت وصية موسى عليه السلام لأخيه هارون عليه السلام، وهو يستخلفه على بني إسرائيل:
﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
إن المتأمل في هذه الوصية يدرك أن القرآن يرسم قاعدةً في إدارة المجتمعات؛ فلم تكن الوصية بتشديد القبضة، ولا بتوسيع النفوذ، وإنما كانت بالإصلاح؛ لأن الإصلاح هو الذي يحفظ الأمم، أما وسائل القوة فإنها لا تستطيع أن تعطل سنن الله إذا تعطلت أسباب البقاء.
وإذا انتقلنا من القصص القرآني إلى واقعنا المعاصر، وجدنا أن كثيرًا من الأنظمة ما تزال تراهن على الوسائل ذاتها التي راهنت عليها أنظمة سبقتها، فتظن أن القوة وحدها تكفي لضمان الاستقرار، بينما يعلمنا القرآن أن الاستقرار الحقيقي يبدأ بإصلاح أسباب الخلل، لا بالاكتفاء بمعالجة آثاره.
ولذلك، فإن ما يشهده العالم بين الحين والآخر من تجدد أزمات أو عودة مطالب بالإصلاح في بعض البلدان، يذكّر الباحث في فقه السُّنن بأن بقاء الأسباب يؤدي غالبًا إلى بقاء آثارها، وليس المقصود إصدار أحكام على أحداث بعينها، وإنما التنبيه إلى أن السنن الربانية لا تتخلف، وأن قراءة الواقع لا تكتمل إلا بردِّه إلى تلك السنن.
إن الفرق بين القراءة السياسية والقراءة السننية أن الأولى قد تنشغل بوصف الحدث، أما الثانية فتبحث عن القانون الرباني الذي يحكمه، ولذلك فإن قيمة التاريخ لا تكمن في أحداثه، وإنما فيما يكشفه من سنن، وقيمة الواقع لا تكمن في أخباره، وإنما فيما يظهره من استمرار تلك السنن.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في أذهاننا ليس: كيف سقطت الأمم السابقة؟ بل:ما السُّنن التي أدت إلى سقوطها؟ لأن من عرف السُّنن، استطاع أن يقرأ الماضي بوعي، ويفهم الحاضر ببصيرة، ويستشرف المستقبل على هدى من كتاب الله.
وفي المقالة القادمة نقف مع سنةٍ من أخطر السنن التي قد تغيب عن الأنظار، وهي سنة الاستدراج؛ لنتأمل كيف يتحول ما يظنه الناس دليل قوة واستقرار إلى ابتلاء وإمهال، قبل أن تجري سنة الله في الأخذ إذا استحكمت أسبابها.
محمد بنعياد
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط
شارك المقال






















Leave a Reply