رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
منذ أن بدأ اسم فوزي لقجع يتردد باعتباره شخصية سياسية مرشحة لقيادة مرحلة حكومية مقبلة، عاد إلى الواجهة سؤال قديم يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة النظام الحزبي المغربي نفسه. فالنقاش الحقيقي لا يتعلق بمدى نجاح رجل في تسيير المنتخب الوطني أو في إدارة قطاع مالي ورياضي، وإنما يتعلق بالسياق السياسي الذي قد يجد نفسه فيه إذا انتقل إلى قيادة الحكومة. فالنجاح في مؤسسة تقنية أو إدارية لا يعني بالضرورة النجاح في قيادة حكومة، لأن الحكومة ليست مؤسسة تنفيذية فحسب، بل هي فضاء لتدبير التوازنات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو مجال تحكمه اعتبارات تختلف جذريا عن منطق الإدارة أو الرياضة.
لقد اكتسب لقجع شعبية واسعة بعد الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم بقطر سنة 2022، وأصبح في نظر شريحة من المغاربة نموذجا للمسؤول الذي يحقق النتائج. لكن هذا الرصيد الشعبي يطرح سؤالا آخر: هل تحتاج الدولة في هذه المرحلة إلى شخصية تحظى بالثقة الشعبية لتجديد صورة العمل السياسي؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بالبحث عن كفاءة إدارية قادرة على تنفيذ السياسات العمومية؟ فالرهان هنا ليس شخصيا، لأن أي مسؤول، مهما بلغت كفاءته، سيظل يعمل داخل بنية سياسية ودستورية تحدد مجال حركته وصلاحياته.
ومن هنا يبدأ السؤال الأكثر أهمية: هل أزمة المغرب اليوم هي أزمة أشخاص، أم أزمة أحزاب؟ فمنذ سنوات طويلة أصبح من الصعب على المواطن المغربي أن يميز بين الأحزاب على أساس المرجعيات الفكرية أو البرامج السياسية. فاليمين يتبنى سياسات اجتماعية، واليسار يدافع أحيانا عن خيارات ليبرالية، والأحزاب المحافظة تتبنى إصلاحات كانت تعد في السابق من اختصاص اليسار، بينما تتقاطع البرامج الانتخابية إلى حد يكاد يجعلها نسخة واحدة مع اختلاف الشعارات والرموز فقط. لقد تآكلت الحدود الإيديولوجية التي كانت تسمح للناخب بالاختيار بين مشاريع مجتمعية مختلفة، وأصبحت المنافسة تدور حول الأشخاص أكثر مما تدور حول الأفكار.
ولعل هذا ما يفسر تنامي الشعور لدى جزء من الرأي العام بأن الانتخابات لم تعد مناسبة للاختيار بين بدائل سياسية حقيقية، وإنما آلية لتوزيع مواقع التدبير بين نخب تتحرك داخل هامش محدد سلفا. وهذا لا يعني أن الأحزاب لا تملك أي دور، لكنه يثير سؤال حجم استقلاليتها في صناعة القرار العمومي. فحين تبدو السياسات الكبرى مستقرة بغض النظر عن الحزب الذي يقود الحكومة، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المواطن: ما الذي يميز حزبا عن آخر؟ وما القيمة المضافة التي يقدمها التداول الحزبي إذا كانت الاختيارات الاستراتيجية الكبرى لا تتغير إلا في حدود ضيقة؟
لقد أدى هذا الوضع إلى تراجع الوظيفة التقليدية للحزب السياسي باعتباره فضاء لإنتاج النخب والأفكار والبرامج. فأصبحت الأحزاب في كثير من الأحيان منشغلة بتدبير الانتخابات والتحالفات أكثر من انشغالها بإنتاج رؤى سياسية متمايزة. كما أصبحت ظاهرة انتقال المنتخبين بين الأحزاب، وتغيير التحالفات بعد الانتخابات، تضعف ثقة المواطنين في الانتماء الحزبي، لأن الولاء يبدو في أحيان كثيرة مرتبطا بفرص الوصول إلى السلطة أكثر من ارتباطه بقناعة فكرية أو مشروع سياسي.
وفي المقابل، يذهب اتجاه آخر إلى أن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا الضعف لا يقدم تفسيرا كاملا. فالأحزاب لا تعمل في فراغ، بل داخل نظام سياسي تتداخل فيه مؤسسات متعددة، وتوجد فيه ملفات استراتيجية تتجاوز الحكومات المتعاقبة. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الحديث عن أزمة الأحزاب يجب أن يقترن أيضا بالنقاش حول المجال الحقيقي الذي تتحرك داخله هذه الأحزاب، وحدود قدرتها على المبادرة وصناعة السياسات. فإذا كان هامش القرار محدودا، فمن الطبيعي أن تتشابه البرامج وأن تتقارب المواقف، لأن الجميع يتحرك داخل الإطار نفسه.
لكن في المقابل، لا يمكن للأحزاب أن تعفي نفسها من المسؤولية. فالكثير منها لم يعد يستثمر في تكوين النخب، ولا في إنتاج الفكر السياسي، ولا في تأطير المجتمع، بل تحول إلى آلة انتخابية موسمية. كما أن ضعف الديمقراطية الداخلية، وهيمنة الزعامات، وغياب التداول الحقيقي على القيادة، كلها عوامل ساهمت في إضعاف المصداقية الحزبية، حتى أصبح المواطن يشعر بأن التغيير يتم في الوجوه أكثر مما يتم في الأفكار.
ومن هنا فإن اختزال النقاش في سؤال: هل سينجح فوزي لقجع إذا قاد الحكومة؟ قد يحجب السؤال الأهم: هل تسمح البيئة السياسية المغربية لأي شخصية، مهما كانت كفاءتها وشعبيتها، بأن تقدم نموذجا سياسيا مختلفا؟ فالنجاح لا يرتبط فقط بقدرات الفرد، بل بطبيعة المؤسسات، وحدود الصلاحيات، ومستوى استقلالية القرار، وقوة الأحزاب التي تسنده، وقدرتها على الدفاع عن مشروعها أمام المجتمع.
إن الأزمة التي يعيشها الحقل الحزبي المغربي تبدو أقرب إلى أزمة بنيوية منها إلى أزمة أشخاص. فهي تجمع بين ضعف الأحزاب من الداخل، وبين محدودية قدرتها على التأثير في بعض الملفات الكبرى من جهة أخرى. ولذلك فإن تجديد الثقة في السياسة لن يتحقق بمجرد الدفع بشخصيات تحظى بشعبية أو بصورة إدارية ناجحة، بل يحتاج إلى إعادة الاعتبار للحزب باعتباره مؤسسة تنتج الأفكار، وتصنع النخب، وتتنافس على أساس مشاريع مجتمعية واضحة، مع توسيع النقاش العمومي حول طبيعة المسؤولية السياسية وآليات المحاسبة وحدود السلطة التنفيذية. فعندما يشعر المواطن بأن صوته يغير بالفعل اتجاه السياسات العامة، وأن الأحزاب تقدم خيارات حقيقية وليست مجرد واجهات متشابهة، عندها فقط يستعيد العمل الحزبي معناه، ويصبح التداول على السلطة تعبيرا عن إرادة سياسية حقيقية، لا مجرد تبدل في الأسماء داخل المشهد نفسه.
شارك المقال














Leave a Reply